خبراء: التصحر والجفاف يهددان الحياة البشرية

سواليف_ يهدد التصحر الحياة البشرية كما لم تتعرض لتهديد قبله؛ منذرًا بعواقب وخيمة، في طليعتها العطش والانحسار المتسارع للرقعة الخضراء، بحسب خبراء ومعنيين.

الخبراء بينوا في أحاديثهم لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن التصحر والجفاف يحدثان بوتائر متصاعدة بفعل عوامل بشرية وأخرى إيكولوجية، لا ترحم الإنسان الذي يواجه شحّاً متزايداً في وسائل الحياة.

وتُعرّي الأرقام الخاصة بالتوسع السرطاني للجفاف والتصحر، كل مساعي العالم الصناعي المتقدم لإلقاء تبعات كارثة التصحر على البلدان النامية ومتوسطة النمو، إذ تظهر أن التصحر يؤدي إلى فقدان مساحة 120 مليون دونم سنويًا (230 دونما في الدقيقة)، كان يستفاد منها في زراعة 20 مليون طن من الحبوب، فضلًا عن التأثر المباشر لنحو 74 في المئة من فقراء العالم بتدهور الأراضي عالميًا.

وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى ازدياد عدد حالات الجفاف ومدتها بنسبة 29 بالمئة منذ عام 2000، مقارنة بالعقدين السابقين، فيما يواجه أكثر من 2.3 مليار انسان بالفعل الإجهاد المائي.

الأمين العام للجمعية العامة للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يقول في رسالته عبر الموقع الإلكتروني: “تشهد جميع المناطق زيادة في تواتر حالات الجفاف وفي شدتها، وقد يحل منتصف القرن ليجد ثلاثة أرباع السكان أنفسهم وهم يعيشون تحت رحمة الجفاف”.

ويشير إلى أن نصف سكان العالم يعانون بالفعل من عواقب تدهور الأراضي، مع تحمل النساء والفتيات العبء الأثقل منها، داعياً إلى تمكين المرأة باعتبارها مالكة للأراضي وعاملا يأتي بتغيير جذري في مجال استصلاح الأراضي، كما أن استثمار كل دولار يستثمر فيها يمكن أن يولد 30 ضعف هذا القدر من الفوائد.

ويولي الأردن، مكافحة التصحر، أولوية تربط تحقيق التنمية بالإدارة المستدامة للأراضي، وهو يشارك العالم همومه باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف.

أمين سر الجمعية الأردنية لمكافحة التصحر وتنمية البادية المهندس إسلام حمد المغايرة، قال: في مثل هذا اليوم 17 من حزيران، قبل 28 عاما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، اتفاقية مكافحة التصحر، وهو الاتفاق الدولي الوحيد الملزم قانوناً الذي يربط البيئة والتنمية بالإدارة المستدامة للأراضي، ويتناول على وجه التحديد المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة، المعروفة باسم الأراضي الجافة، حيث يوجد بعض النظم البيئية والشعوب الأكثر ضعفاً.

وتعمل الأطراف المنضوية في الاتفاقية وعددها 195 طرفاً من أجل تحسين الظروف المعيشية للناس في الأراضي الجافة، والحفاظ على إنتاجية الأراضي والتربة واستعادتها، والتخفيف من آثار الجفاف.

تفصيليا، يعرض المغايرة معضلات التصحر وأهداف التنمية المستدامة، موضحًا أن خطة التنمية المستدامة لعام 2030، تنص في هدفها الخامس عشر على “حماية النظم البيئية البرية ومكافحة التصحر ووقف تدهور الأراضي وفقدان التنوع”.

وطنيا، يشير المغايرة، إلى أن وزارة البيئة لا تزال تتابع تنفيذ بنود الاتفاقية الدولية الخاصة بمكافحة التصحر من خلال توقيع الاتفاقيات، وزيادة الرقعة الخضراء وإطلاق الحملات الوطنية للحفاظ على البيئة والنظافة إلى جانب دعم تنفيذ المشاريع المقدمة من الجمعيات البيئية الأردنية من خلال صندوق دعم البيئة في مختلف المجالات في سبيل تحسين البيئة الأردنية بعناصرها كافة.

ويؤكد أن ذلك غير كاف في ظل تعاظم القضايا والاعتداء على البيئة واستنزاف الموارد وتدني كميات الأمطار وضعف حصادها، وتراجع نسبة الأراضي وتدهورها نتيجة الظروف المناخية والسلوك الإنساني، وكذلك تراجع عدد الكوادر المعنية في الجهات ذات العلاقة ما أدى إلى عدم عقد اجتماع للجنة الوطنية للتصحر منذ سنوات طويلة، بحسب المغايرة.

ويشدد، على أهمية تسريع استعادة الأراضي المتدهورة من خلال تحسين جمع البيانات، والرصد لتتبع التقدم المحرز في تحقيق التزامات استعادة الأراضي، وإنشاء نموذج شراكة جديد لبرامج استثمار متكاملة واسعة النطاق في الموارد الطبيعية.

ويضيف: لابد من تعزيز مقاومة الجفاف من خلال الحد من توسع الأراضي الجافة، وتحسين السياسات الوطنية والإنذار المبكر، والرصد والتقييم والتعلم وتبادل المعرفة وبناء الشراكات وتنسيق العمل، وتعبئة التمويل لمكافحة الجفاف.

ويدعو إلى إنشاء فريق عمل حكومي دولي معني بالجفاف للنظر في الخيارات الممكنة بما في ذلك أدوات السياسة العالمية وأطر السياسات الإقليمية، لدعم التحول من رد الفعل إلى إدارة الجفاف الاستباقية، ومعالجة الهجرة القسرية والنزوح الناجمين عن التصحر وتدهور الأراضي من خلال إيجاد فرص اجتماعية واقتصادية تزيد من مرونة الريف واستقرار سبل العيش، وتعبئة الموارد، بما في ذلك من الشتات لمشاريع استعادة الأراضي.

وأكد ضرورة تعزيز الوظائف المناسبة القائمة على الأرض للشباب وريادة الأعمال الشبابية البرية وتعزيز مشاركتهم في عملية اتفاقية مكافحة التصحر، وضمان المزيد من التآزر بين اتفاقيات ريو الثلاث، بما في ذلك أوجه التكامل في تنفيذ هذه الاتفاقيات من خلال حلول قائمة على الطبيعة وتحديد الأهداف على المستوى الوطني.

وأوضح، أن للجمعية التي تأسست عام 1990، دوراً في هذا المجال، إذ أنها الوحيدة بالأردن والعالم العربي المختصة بمجال مكافحة التصحر حيث تقيم سنويا يوماً علميا بهذه المناسبة، مشيرا إلى أنه سيعقد اليوم العلمي هذا العام بالتعاون مع الجامعة الهاشمية في شهر تموز المقبل، كما أنه تم إصدار ملصق يجسد المعاني والبيانات المهمة للمناسبة.

كما تقوم الجمعية بتنفيذ المشاريع المعززة للحد من ظاهرة التصحر والجفاف، منها إصدار قصص لطلاب المدارس تؤكد أهمية البيئة وعناصرها والمحافظة عليها، وزراعة الأشجار ضمن الحملة الوطنية للتحريج، والتوعية بالأخطار الناجمة عن الجفاف والتصحر والمرتبطة بالأمن الغذائي، وآثار فقدان التنوع الحيوي الاقتصادية والاجتماعية والصحية على رفاهية الإنسان، وفقا للمغايرة.

بدوره، أوضح أستاذ إدارة الأراضي في الجامعة الهاشمية الدكتور فاخر العكور، أن التصحر مرادف لمسمى الصحراء لكن بينهما فرق كبير، فالصحراء منظومة بيئية إيكولوجية متكاملة لها خصائصها ومقومات وجودها، وتتكامل عناصرها لتكون نظام طاقة ديناميكية يتناسب مع ظروف المكان المختلفة.

أما مصطلح التصحّر فيعرف على أنه تدهور أو تغيير سلبي في قدرة النظام الحيوي على المحافظة على القدرة الإنتاجية ومستوى خصوبة الأراضي في المناطق القاحلة، وشبه القاحلة، والجافة شبه الرطبة، نتيجة عوامل متنوعة تتضمن التغيّرات المناخية والأنشطة البشرية، والذي يسبب كمحصلة أخيرة بما يسمى بتغيّر المناخ نحوَ الجفاف؛ فيحول الأراضي المنتجة بمراحله النهائية إلى ما يشبه مناخ وخصائص الأراضي الصحراويّة غيرُ المُنتجة أو قليلة الإنتاج.

فأهم المسببات لزيادة تأثيرات الجفاف، الذي يعرف بانه انقطاع السقوط المطري لفترات زمنية أو نقصانها عن المعدلات السنوية لمواسم متتالية، الزحف العمراني والإفراط في استخدام الأسمدة وسوء اختيارها، فتتحول الأراضي الصالحة للزراعة إلى أراض قاحلة بمرور الوقت، وفقا للعكور.

وشدد على أن من الأسباب التي تضاعف التصحر، هو الزراعة المُفرطة أو الزراعات التي تفوق قدرة التربة على إيفاء باحتياجات النباتات من العناصر الغذائية الضرورية، والإفراط في عمليات إزالة الغابات، والرعي الجائر، والأنشطة البشرية التي تعمل على تلويث المياه والهواء والتربة والتي بدورها تتسبب بإحداث حالات التغير المناخي، موضحا أن كل ذلك يؤدي إلى انعدام الأمن الغذائي، وعدم المساواة في الوصول إلى الموارد الطبيعية واستغلالها بطريقة عادلة وآمنة.

من جانبه، يرى أستاذ هندسة البيئة في جامعة الحسين بن طلال، الدكتور عمر علي الخشمان، أن التصحر من أهم المشكلات البيئية في الأردن، إذ تبلغ نسبة المساحة المعرضة للتصحر في الأردن نحو 81 بالمئة من المساحة الكلية، والمساحة المهددة بالتصحر نحو 16المئة، خاصة المناطق التي يقل فيها سقوط الأمطار عن 200 ملم سنويا، وفقا للخشمان.

ويضيف الخشمان، أنه في نهاية العام الماضي أشار تقرير دولي إلى أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة أظهرت بدليل علمي للتغيرات التي حدثت على مدى العقود الخمسة الماضية، متنبئا بمستقبل ستزداد فيه حدة الجفاف في كثير من دول العالم، وأوضح التقرير أن الأردن من أكثر الدول تأثرا بالجفاف.

ودعا التقرير دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا إلى المراقبة الدقيقة للجفاف والانتقال من الإشراف على المياه إلى الإدارة الاستباقية، مؤكدا ضرورة أن يجمع النهج المستخدم لإدارة حالة الجفاف بين وعي المواطن وفهم لموضوع ومخاطر الجفاف، وتبني التقنيات الحديثة المتقدمة في الزراعة والري، واختيار نباتات تتعايش مع قلة الأمطار والجفاف وارتفاع درجة الحرارة، والقيام بالحصاد المائي وإنشاء السدود وتجميع المياه.

وفي هذا الصدد يلفت الخشمان إلى أن توقيع الأردن على الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر عام 1996 شكل خطوة هامة ومتقدمة نحو مكافحة التصحر وآثارها من خلال المشاركة في الجهد العالمي التكاملي لمكافحة التصحر ضمن بنود الاتفاقية وأهدافها المرجوة.

ويدعو إلى تطبيق القانون والتعليمات بصرامة على أعداء البيئة والغابات، ومنع التحطيب بكافة أشكاله ومحاربته ضمن سيادة القانون، وغرس حب الزراعة في نفس الأبناء منذ الطفولة، والتوعية بأهمية الزراعة والمحافظة على مواردنا الطبيعية ضمن برامج توعوية في المدارس والجامعات ودور العبادة والأندية ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب تطبيق التكنولوجيا والبحث العلمي، وإنشاء صندوق المخاطر الزراعية، باعتباره خطوة رائدة في دعم المزارع الأردني من المخاطر الطبيعية والأوضاع الصعبة التي تواجههم وتخفف من خسائرهم.

أما أستاذ الجغرافيا في جامعة اليرموك الدكتور محمد أحمد بني دومي فيبين، أن الأردن يحتوي على أراضٍ صحراوية بسبب ظروف مناخية بحتة، كما يوجد أراضٍ تصحرت بفعل عوامل الأنشطة البشرية والاستغلال غير المنظم للنظام البيئي وأضيفت إلى الصحراء التي تزيد مساحتها على 10 ملايين دونم وهي موجودة في الأقاليم شبه الجافة وشبه الرطبة.

ونتيجة لتفاقم مشكله التصحر وما ينتج عن ذلك من التدهور البيئي حيث أصبحت مشكلة مؤرقة، يدعو بني دومي إلى ضرورة التشديد عند منح رخص لحفر الآبار الجوفية في المناطق الجافة وشبه الجافة، كون خزانات المياه الجوفية تتعرض إلى الضخ المفرط والتغذية لها محدوده جداً.

ويؤكد أهمية التدخل في النمط الزراعي داخل هذه البيئات لوقف الزراعات ذات الاستهلاك المائي الكبير والاستعاضة عنها بزراعة المواد العلفية ذات الاستهلاك الماء القليل، وتخطيط استعمالات الأرض إلى جانب التوسع في إنشاء المحميات النباتية وزيادة شبكات الرصد المناخي باستخدام صور الأقمار الصناعية للحصول على التوقعات التي من شأنها ضبط التنبؤات بالأمطار وتوصيل المعلومات بالمزارعين لكي يتم حراثة وزراعة الأراضي المناسبة زمانياً ومكانياً.

ولفت إلى أهمية الاستخدام الأمثل للموارد المائية المتاحة، السطحية والجوفية من خلال صيانة السدود المائية الموجودة في المناطق المتصحرة والتي تعود للعصر الروماني، والاستفادة من سيول الأودية الموسمية من خلال إنشاء السدود الحجرية والترابية .

ويدعو إلى إنشاء قاعدة بيانات جغرافية بيئية من شأنها أن تسترجع وتحفظ الأنظمة الطبيعية بما فيها التربة والنبات والمياه، مقترحا التوسع في زراعة محصول القمح بدلاً من التوسع في زراعة الخضروات التي تستهلك كميات كبيرة من المياه،.

فيما تشير الخبيرة الاقتصادية ومديرة مديرية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في المركز الوطني للبحوث الزراعية الدكتورة مسنات الحياري، إلى أن الجفاف هو واحد من أكثر الكوارث الطبيعية تدميرا من حيث الخسائر والآثار كفشل المحاصيل على نطاق واسع، وحرائق الغابات والإجهاد المائي.

فالجفاف ليس مجرد غياب للأمطار، وغالبا ما يغذيها تدهور الأراضي وتغير المناخ معا، يمكننا التغلب على آثاره المدمرة على الناس والطبيعة في جميع أنحاء العالم والبدء في الاستعداد الآن لمستقبلنا الواقي من الجفاف، بحسب الحياري.

يشار إلى أن الجمعية العامة أعلنت أن التصحر والجفاف من المشاكل ذات البعد العالمي، وكان هذا في يوم 17 حزيران ” اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف ” والذي اُعتمد في كانون الأول 1994، لتعزيز الوعي العام بتدهور الأراضي وجذب الانتباه إلى تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى