حِصارُ النَّقِ والدَّقْ / د. سمير محمد ايوب

حِصارُ النَّقِ والدَّقْ
ثرثرات في الحب – الثرثرة 42
مُبَكِّرا عَرَفتُه ، إلتقيتُه أوَّلَ مرَّةٍ في رحاب الجامعة ، كنتُ عُضوا زائرا في لجنةٍ ثُلاثية ، لمناقشةِ رسالته المقدمة لنيل درجة الدكتوراة ، حول معايير اليقين . تَمَكُّنُهُ مِما قدَّمَ ، وبراعتُه الأنيقةُ في الردود ، على ملاحظات المناقشين ، أهَّلَتْه بإمتيازٍ لمرتبة الشرف الأولى .
مِنْ حينِها ، منذ أكثر من ربع قرن ، تزامَلنا في العمل . ترافقنا في كثيرٍ من معارج الحياة . سعِدْتُ بالإقتراب منه . فهو مِمَّن رُزِقَ بأشكالٍ مختلفةٍ من المشاعر الدافئة والنبيلة ، المُبَشِّرَةِ بسعادةٍ مُتجددة . لأسباب أسريةٍ سَوِيَّةٍ ، آثرَ مُقتَنِعا راضِيا ، تأخيرَ زواجه .
قبلَ بضع سنين جذبته إليها ، متقاعدةٌ عسكريةٌ برتبةِ عقيدٍ مهندسٍ ، مُطلقة بلا أولاد . كانت منذ سنين ، قد غادرت الأربعين من عمرها . دار الأمر بينهما في زمن ضيق . تأرجحت خلاله مشاعرُهما ، بين التحدي والإستجابة بالتداعي ، دون البحث عن مخارج للنهوض .
إلتقيته بالأمس في استراحة مسرح عمون في عَمان . سألتُه بعد أن أفرغ كِنانتَه من حزنٍ موجوع : ما بِكَ علَيْها ، لَمْ تَعُدْ تُطيقُها وأنتَ الحليم ؟
قال وهو يعبثُ بفنجالِ قهوته مُحملقا فيه : يُحاصرُ علاقتَنا اليومَ ، إستعصاءٌ يضغطُ على كلِّ عَصبٍ حَيويٍّ فيها. يُقلِّصُ هوامشَ المناورة . ينتابُني في ظلِّهِ إحساسٌ بالعجز ، أرفضُ الاستسلام له .
زوجتي مُتذمِّرَةٌ لا يُعجبها عجبٌ ، ولا صيامُ رَجَب . لديها لكلِّ حَلٍّ مُشكلة . يَخترقُ نقُّها تخومَ قلبي كلَّ يوم ، فَكْفَكَ سِحرَالحُبِّ . وفَتَّتَ أتباعَه ، وباتَت رُكاماً مُنحصِرا في واجباتٍ روتينيةٍ مُمِلَّةٍ .
أومأتُ له صامتاً أن يُكملَ ، فقال : ألْغَتِ حَرَمُنا المُشترك . واعتبرتني ملكية ًخاصة . وعيّنَت نفسَها قوَّامَةً على مضامين علاقتنا ، وناطقة وحيدة باسم شكلياتها . إسْتَبدلَتْ حقِّيَ في الحوار بمساءلاتٍ مُستحيلة ومهينة .تتسبب في تراكم أزماتٍ غيرَ مسبوقة.تحسمُ الأمور بتجريفِ الرضا ، وإستبداله بفوراتٍ من النَّقِّ الثاقب لكل الأسقف .
أشعلتُ له لفافتَه ، وسألتُه وأنا أحدِّقُ في عينيه وإرتجافةُ شفتيه ، ثم ماذا يا دكتوري العزيز ؟
قال وأصابع يَدَيهِ تتصارع مُتشابكة : إسترْسَلَتْ فيما تظنّه من حقّها . حتى اعتبرَتْ وصولَها إلى انتباهي ، بوابةَ تاريخٍ مُقدَّسٍ يَجُبُّ ما قبلَها من حياتي ، ناسيَةً ، مشاعري ، أحلامي وأوهامي . وتسعى فوق هذا كله ، لإعادة تشكيل ما قبلَها وفقَ معاييرها ، مُستلهمةً وصايا صديقةٍ دهقونةٍ لها ، نصَحَتْها بالنَّق والدَّقِّ والزَّنِّ على حديد الزوج وهو ساخن ، ليغدوَ وَرَقا أبيضا ، تُخَربِشُ عليه ما تشاء من هَوانٍ وطوعَ بَنان . يُشكِّلُه وِفقَ ارتدادات شُبِّيك لُبّيك .
كنتُ أنصتُ مُبتسما بغيظٍ وحيرة ، دونَ أنْ أضيف لما كانت تشي به عيناي ، حين أكملَ وعلى مَبسمه شبحُ إبتسامة : تخيَّلَ أنّها باتت تؤمن أنَّ الزوج كما تربيه زوجته وكما تُعوِّدُه ، طفلٌ إبِنْ لَيْلَتِه بِيِعرِفْ شِيلتِه .
قهقهنا سوية ، إستزدنا من القهوة . قررنا التوجه الى مطعم هاشم في قعرِ المدينة للعشاء ، وهناك مع الكثير من الفول والفلافل ، نكمل حديث النق والنقاقين . ( للحديث بقية في الثرثرة القادمة ان شاء الله ) .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى