الاصابات
679٬138
الوفيات
8٬057
قيد العلاج
49٬211
الحالات الحرجة
729
عدد المتعافين
621٬870

حلوى بطعم المرارة

حلوى بطعم المرارة
“مَنُّ السّما” ل غصون رحّال
د.رياض ياسين


تنشيط الذاكرة وتوسعتها من المهام الشاقة التي تحملها رواية “منّ السما”، وهي تصرّ على توثيق حوادث يعتبرها الكثيرون تابوهات وجب السكوت عنها، فتعبر بنا الكاتبة الى عالم المهمشين مرة أخرى على طريقتها وهذه المرة باستخدام صراعات عايشها الكثير من جيلنا ابتداء من مرحلة الثمانينات من القرن العشرين وصولا الى الفترة التي نعيش بعد انقضاء عقدين بعد الألفية الجديدة.
نُحلّق مع رواية “مَنُّ السّما” للمبدعة غصون رحّال في سماء الكتابة الإبداعية الثريّة المفعمة بالتشويق والسرد البنائي المحكم لنصوص رشيقة مسبوكة بحسّ امبيرقي واع ونفس طويل قادر على الخوض في حروب صعبة فُرضت على الأبرياء في غفلة من قدر النجاة.
تشتبك الرواية مع الواقع السياسي للعالم العربي والإقليم في العقود الأربعة الاخيرة،وتمعن في رصد مآلات الحروب والصراعات التي شهدها العالم مع الألفية الجديدة، وتتجرأ على تابوهات اجتماعية وسياسية من خلال شخصية ناشطة سورية في مجال حقوق الإنسان اسمها “عهد”.
تحكي الرواية ما عايشته “عهد” من آلام وآمال طيلة مسيرة حياتها الاجتماعية والمهنية، ليطغى ما عايشته من نشاط مهني على تجربة حياتها وتغير الكثير من المفاهيم وتسقط ورقة التوت عن الكثير من المستور في عالم التسلط والقهر والاستبداد.
تُقدّم رحّال في روايتها بانوراما للصراعات المسلحة وتسلط الأضواء على المخفي منها وهم المدنيون وتحديدا النساء التي تقدم شهاداتهن الواقعية بكل جرأة واقتدار.
حلوى السما أو “منُّ السما”، تستعرض ضحايا الحروب من النساء اللواتي يقعن ضحايا للاغتصاب والقتل والتهجير، دون أن يكنّ أساساً مشاركات في الحروب.
المرأة ضحية الإرهاب بكافة أشكاله، والإرهاب ليس استخدام السلاح وفعل القتل فيما أرى، بل هو أشكال الترويع والاعتداء على الآمنين المسالمين مباغتة وغيلة . هذه المرة في “منّ السما” تطوف الكاتبة وبطلتها “عهد” في أماكن دنستها جماعة “داعش” الإرهابية، لتروي قصصا تشيب لها الولدان في وحشيتها وعدوانيتها وحيوانيتها، مسرحها في كردستان العراق التي شهدت جرائم لا يمكن وصف مآسيها،فالإرهابيون الدواعش اعتبروا نساء مدن كردستان غنائم وسبايا ظفروا بها.
حالات من الوحشية التي سردت في الرواية عن النساء المعنفات اللواتي تعرضن للاغتصاب وأخريات رفضن الإنصياع لشهوانية أشباه رجال التنظيم الإرهابي فكان الحكم عليهن بالحرق، فقد احرق المجرمون تسعة عشر امرأة رفضن فكرة الدخول الى حظيرة غنائم القتلة والمتوحشين.
أشفق على بطلة الرواية التي عايشت تجارب مأساوية بنفسها جعلها تدخل في نوبات لحالات نفسية أدخلتها في صراعات مع ذاتها وأتت على كثير من احلامها بغد جميل وحياة وردية كمثيلاتها من النساء. حيث لم تتمكن “عهد” من الظفر بطوق نجاة لها وآلامها وهي تقابل النساء المعنفات في رحلات رصدها لشهادتهن ، فيجتاحها الألم في محطات أفغانستان وكردستان وليبيا ويتأرجح عقلها بين الثبات والانحراف الذي يقترب الى حافة الجنون فتعيد تركيب تاريخية الجنون من أفلاطون الى كافكا ووإلى النموذج الأكثر صراخة ميشيل فوكو.
تقدم الرواية نموذجا لشهادات اللاجئين في مخيمات تفتقر الى أدنى شروط البقاء ، وكأن الرواية تتبع آثار المآسي الإنسانية التي تخلفها الحروب والصراعات، حتى بعض قوات حفظ السلام تورطت في ارتكاب جرائم بشعة من الاغتصاب والاعتداء والتحرش.
لم تفلح اتفاقية جنيف الرابعة المعنية بحماية السكان المدنيين وقت الحرب انقاذ المدنيين واكتفت على خجل برفع شعار “حماية السكان المدنيين وقت الحرب”.
الحوارات غاية في الجمال والذكاء تنقلك الى عوالم في السياسة والقانون والطب خاصة الطب النفسي ، النصوص مليئة بمقولات متقنة حدّ الحفظ والتداول، اما العناوين التي افتتحت بها فصول الرواية فهي من الجمال والذكاء في آن معا.
مدن عربية وأوروبية وأسيوية حاضرة في رواية “منّ السما” بتفاصيلها وشخصيات عابرة للأحداث وأخرى في محطات معينة يصادفون بطلة الرواية لتنسج الكاتبة من الحوارات الثقافية بين الطموح والإحباط خيوط العنكبوت وتحيط نصوصها بهالة من سبر نماذج أنسانية وكشف المستور عن كنهها مستعينة بسحر حبات “منّ السما”.
تنفض غصون الغبار عن ذاكرة مليئة بالأحداث ، وأكثر من ذلك تذهب الى فكرة البحث عن توسعة للذاكرة، وتجاوز ذاكرة جهاز الخلوي ،فالإنسان ليس مثل جهاز الخلوي في ذاكرته المحددة وليس مثل الآلة في شعوره ورغباته وعالمه الداخلي.

اقرأ أيضاً:   عندما يصهل الحرف، لن تنفع الخيطان البالية

يتضح منذ بداية الرواية الى نهايتها ان ثمة جاذبية تجعلك تلتصق بالرغبة الجامحة في متابعة تطوراتها، وكأنها ذاك المسلسل المليء بالتشويق الذي كلما اراد ان يقترب من النهاية يجعلك تحزن وتشعر بفقدان الكثير من مشاعرك ومكنونات ذاتك.

تستشعر جمال الرواية في تنقلها بين الأماكن ضمن خط سير ثابت وحوارات غاية في الذكاء، ولا تبحث الرواية عن صورة للبطل وانما غلب عليه توصيف الواقع المؤلم دون البحث عن فكرة الانتقام للضحايا والاقتصاص منهم، ويسجل لها أنها قدمت صورة عن شخوصها ذوي السمات المُركبة المحلمة بالكثير من الآلام والآلام.

اقرأ أيضاً:   شذرات عجلونية

رواية محملة بالقصص التي نسجتها من تفكك بعض البنى السياسية في بعض البلدان التي كانت الرواية مسرحا للحوادث فيها، وقد تداخلت الجوانب النفسية والحسية لشخوص الرواية جلادين وضحايا.

ماراثون طويل من الاشتباك مع ثقافة المحاربين والمنفلتين من سطوة الضمير والأخلاق والقانون تزيح الستار عن وحشية من لا يرون العالم سوى من منظار الانتهازية والاحادية والانانية لمجرد أنهم لبسوا ثوب الدين حتى على القفا كما يقال.

اقرأ أيضاً:   في ذكرى ميلاد إمام الدعاة

مضامين متنوعة لرواية عميقة في مبناها ومعناها تحاكي التطورات في العديد من البلدان والمدن خلال العقود الأربعة المنصرمة والتي شهد فيها العالم سلسلة هائلة من التحولات السياسية واسئتعراض للحروب والصراعات ووالتركيز على ثقافة الحرب لدى الجماعات المتطرفة من الإرهابيين، وكأن الرواية بهذا المعنى هي سجل حافل لتوثيق الانتهاكات استخدمت الحكاية المصاغة بلغة الواقع المؤلمة في سردها لكل الحوادث .

تؤسس هذه الرواية لمنحى جديد على ما يبدو في الطرح الجريء والذكي للعديد من القضايا،وتكشف المستور وتزيح ورقة التوت عن اختلالات فكرية واجتماعية ناجمة عن اختلال موازين العلاقات الدولية والتحولات العالمية وافرازات العولمة وتوحش الكثيرين فيها واستغلا وسائل التواصل والاتصال لممارسة ابشع صنوف الانحطاط البشري والجرائم المبررة.

rhyasen@hotmail.com

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى