حروف تتقافز

[review]

أمل محمد الزعبي

أشعلت سيجارتها البيضاء بعصبية ونفثت أول أنفاسها الى أعلى …حيث السقف الابيض وكأنها تريد أن تترك أثرا أسودا كذلك الأثر …ألقت بنفسها متهالكة على السرير ذي الشراشف المزركشة …حدقت في المرآة وهي تقبض على السيجارة بشفتين مرتجفتين …كان قد كلمها قبل قليل وقد زمجر بصوته وأرعد quot; أنتِ مجرد حروف تتقافز أمامي … كلكن سواء quot; …

جثت الصدمة على أركان وجهها … وعلا خفق قلبها …تارة يعمها ارتباك عظيم وتارة يغتال تفاصيلها السكون …كانت كلماته ترن في أذنيها تصمها … أحكمت القبض على السيجارة من جديد بشفتيها وأخذت نفسا عميقا ابتلعته سما زعافا كما اندلعت تلك الكلمات نارا في هشيم روحها …

ما زالت تحدق في المرآة … شعرها فوضوي تناثر على كتفيها باهمال وتطاير بفعل تلك المروحة الصغيرة الى جانب السرير … هاتفها الحمول ما زال ملقى أرضا … لعنت من اخترع هذه الآلة وكادت أن تدوسه بقدميها …

قالت له :quot; أهكذا تراني ؟quot;

– quot; أحاول أن أخلق من تلك الحروف روحا أشكلها جسدا quot;

تساءلت :quot;أأنا عجينة بين يديك؟quot;

-quot; أشكلك كما أريد أنا quot;

ذهلت …quot; رباه أهذا خالد الذي عرفت ؟!…. أهذا هو الرجل الذي أسرني بصوته الحنون ؟!quot; … سكنها الصمت …أدركت أن السيجارة بين أصابعها قد نفقت وقد تحرقها … ومع ذلك وضعتها بين شفتيها …كم تستلذ بالنفس الأخير منها …ثم ألقتها في المنفضة وعادت ترتب خصلات شعرها الثائرة … قال لها يوما quot; كم أعشقك كلما ثار هذا الشعر غجريا متمردا quot; … جمعت خصلات شعرها وربطتها برباط أحمر فبان عنقها الابيض الذي تصبب عرقا اثر ذلك الاضطراب الممزوج بحرارة حجرتها الخانقة …

رن الهاتف … هو خالد …ترددت طويلا … واخيرا … انحنت والتقطت الهاتف وردت … بادرها قائلا quot;حبيبتي quot; أجابته كغيمة جافة quot; ماذا تريد ؟ quot;

أنَبها معاتبا :quot; أهكذا تخاطبين حبيبك ؟ quot;

ضحكت ضحكة مجلجلة مشبعة بالاستهزاء وقالت :quot;ضربني وبكى ثم سبقني واشتكى quot;

قال بصوته الحنون المعتاد :quot; ريما … أحبك …وسأحبك الى أن يتلاشى النبض من بين ضلوعي quot;

هدأت … شيء ما في صوته يخدرها …قفزت الدمعة الى عينها …تماسكت كي لا تبكي …ناداها بحنان أكثر :quot; ريما …ما بكِ؟؟quot;… ردت بصوت يتخافت كفتيل يخبو :quot;تسألني ما بي …quot;

رد يستجديها :quot; بالله عليك انسي ما كان quot;

انفعلت وثارت :quot;انسى ماذا ؟؟ …الى متى يجب علي ان احتمل جنونك ؟؟ … تحملت كومة عقدك وصبرت …وفي كل مرة تعود لتقول بكل بساطة انسي quot; … قاطعها :quot;أحبك … ولن اتوقف عن حبك quot;

ردت بيأس quot; ملعون هذا الحب quot;

قال متوسلا :quot;أريد أن اراك الآن quot;

ضحكت ضحكة باردة :quot; تريد ان ترى ضحيتك وهي تنزف … يلذ لك هذا المشهد؟! quot;

قال والشعور بالذنب يقتله :quot; ريما … افعلي بي ما شئتي … اصرخي .. هددي … اقتليني ان اردتي … دمي مباح لك … لكن لا تتركيني quot;

ردت بحزم هذه المرة quot; آسفة يا خالد …. أنت من اختار النهاية quot; وأقفلت الهاتف وألقته على السرير وهي تنتفض حزنا ألما غضبا …رباه …كيف لاضلاعها الصغيرة ان تحتمل كل هذه الهزة لا بل زلزالا مدمرا … تهالكت من جديد وسقطت على السرير تشهق بالبكاء المر …أمضت الليل بالبكاء دون انقطاع …

قبيل الفجر بدأت العصافير تتقافز على اغصان شجرة المشمش الملاصقة لنافذة حجرتها …رفعت رأسها بعينين قد دمرهما اعصار البكاء …تقافزت العصافير فرحة من غصن الى غصن مغردة نشوى …quot; ما أنت الا مجرد حروف تتقافز امامي quot; …حدقت في المرآة طويلا … رأت امرأة غريبة الوجه والعينين … أمسكت علبة السجائر واشعلت سيجارة ونفثت أنفاسها الاولى على المرآة … لربما التصق ذلك الاثر بهذا الوجه الغريب …

اظهر المزيد

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق