حتى الأسكيمو الحمرا

حتى الأسكيمو الحمرا
يوسف غيشان

للوهلة الأولى اعتقدت ان الناس من ذوي الدخل المحدود تضع سماعات (بلوتوث)، اذ رأيت الناس من حولي يتكلمون ويتكلمون مع كائنات غير منظورة، هذا يتغزل، وذلك يتكلم بجفاء واختصار (توقعت انه يحادث زوجته المصون) وذاك يسب ويشتم ويلعن …. في الواقع كان اكثرهم من الشتامين السبابين المتنابزين بالألقاب.
بعد التدقيق والتمحيص واستراق النظر الى صيوان الأذن، اكتشفت انه لا يوجد لا سماعات سلكية ولا لا سلكية (ولا حتى سلكة جلي). وإن آذانهم مستفزة حمراء أكثرها مزروع بالشعر والنتوءات غير المبررة، وبعضها يحمل النظارات والأخرى مشرئبة لكأنها تناطح طواحين الهواء.
من لا يصدقني فلينزل الى وسط البلد، وفي اي مكان يشاء (حتى في سوق الذهب) وليراقب الناس. سيكتشف ان عدد المتحدثين مع أنفسهم يتزايد على شكل متوالية هندسية. كانوا في العام الفائت لا يزيدون عن اصابع اليد الواحدة وهم معروفون للجميع ومن المبتلين بالأمراض النفسية.
طبعا سبب هذا التزايد المضطرد في العدد والعدة يعود الى وضع اقتصادي وسياسي واجتماعي يصعب احتماله، ناهيك عن ارتفاع اسعار كل شي (عدا المكالمات الهاتفية) حتى الأسكيمو الحمرا، ام الشلن، صارت ببريزة، حيث اصيب الناس بالفصام ..وضاعوا بين ما يتقاضونه من رواتب وبين متطلبات الأسرة والبيت …بين هذا العمارات الشاهقة والمشاريع الباسقة وبين التآكل الذي اصاب ليس الفقير وصاحب الدخل المحدود فحسب بل ابتلع ثلثي الطبقة الوسطى على الأقل.
الحديث مع الذات هو بداية الاحتجاج…صحيح انه حالة نكوص وحيلة نفسية يتعاطاها المواطن حتى لا يصاب بالانهيار التام…. الحديث والتخاصم مع الذات هو بداية حديث أكثر حدة قد يطالنا جميعا.
في السابق قامت الماعز البري في أول عمليات تصحير وتعرية للغابات، لأنها كانت تأكل شيئا في الغابة، وكانت تستسهل اجترار البسلات الصغيرة التي تنمو بقرب الأشجار الكبيرة، إذا كان يتوجب ترك هذه البسلات لتنمو وتحل محل الأشجار الكبيرة حينما تموت. لكن من كان يستطيع ان يشرح للماعز هذه النظرة الإستراتيجية للأمور؟؟؟؟ بالطبع الماعز انقرضت مع انقراض الغابة…. !!

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق