توجيهي الكارثة !

توجيهي الكارثة !
د. علي المستريحي

لا شك أن الملعب اليوم هو ملعب الحكومة، فهي التي تحدد منطقة اللعب، وتوقيته، وتحدد زمن المباراة، وتسمي اللاعبين، ويمكنها أن تشتريهم، وهي التي تفرض الجزاءات على من لا يلعب على هواها، وتنقل المباراة من ملعب لآخر، وتحصر بثها بصوتها وأبواقها وحدها، ويمكنها أن تشتري المشجعين وتحدد الجمهور من أموالهم! الحكومة هي الخصم والحكم، وهي التي تعلن الفوز وتضع النتيجة حتى ولو لم تنعقد المباراة! الحكومة تختطف الكرة وتركض من ملعب لآخر والناس يركضون لاهثين خلفها وقد تقطَعت أنفاسهم!

بالأمس كانت مباراة المعلمين مع الحكومة، ولا زالت، واليوم مباراة التوجيهي، كارثة التوجيهي! والسؤال: لماذا التربية والتعليم بالذات هما بالواجهة على الدوام؟ إن عكس جواب “لأنك إن أردت أن تبني وطنا، فعليك بالتعليم” هو بالحقيقة الجواب!

المنطق يقول أن ما مرت به البلاد من ظروف كورونية صعبة أدت لانقطاعات متكررة بسلسة العملية التعليمية منذ بداية العام الفائت، واعتماد التعليم عن بعد في ثلثه الأخير وما رافقه من “بلاوي” تعرفها الناس، حتما سيؤدي إلى هبوط حدّي بنسب نجاح الطلبة وانكماش معدلاتهم. ما حصل كان العكس! تضخم بالمعدلات غير مسبوق بتاريخ المملكة. تبرير الحكومة على لسان وزير تربيتها يؤكد أن هذه الظروف الاستثنائية القاهرة أدت لما أدت اليه من “انجاز” يسجل لها! شيء يضع العقل بالكف! أما نسب النجاح التي ذكرها، فشخصيا لا يتوفر لدي أدنى ثقة بالحكومة بالمجمل، وبما تدّعيه ويصدر عنها من أرقام، فمشاهدات الناس وقراءة الواقع وروايات الطلبة بالتهاون بشروط الالتزام بالامتحان أصدق من أم أعين الحكومة، وأصحّ من لسانها المعووج. لماذا لا تعترف الحكومة بكل بساطة أن هناك عطبا بتصميم امتحانات هذا العام، وبسلامة إجراءات عقده؟ وأن الامتحان خلط الحابل بالنابل فلم يفرق بين طالب مجتهد وآخر مهمل؟ وأن التعليم الالكتروني هو الاستثناء وليس القاعدة التي تبني عليه مستقبل الأجيال القادمة؟ فلو فعلت لكنا أكثر تسامحا معها، لكن المؤسف أنها تركب رأسها وتكابر بالذنب وتأخذها العزة بالإثم وتسعى لتكرار هذه التجربة الفاشلة السنة القادمة وما سيليها!

مغالطات بالجملة أوردها السيد الوزير. فلا أدري كيف له أن يؤمن بأن “التعليم الالكتروني أثبت نجاعته”؟ كيف، وما دليله، ومن أين حصل على هذه النتيجة وغالبية الناس على يقين من فشلها وعايشوا تجربة الفشل بأنفسهم؟ ثم، لا أدري كيف له أن يزعم بأن نمط الأسئلة الموضوعية كأداة قياس تتميز بشموليتها وصدقها وبقدرتها (وحدها، كما يفترض بوضوح) على القياس الدقيق لمعارف الطالب وقدراته؟ كيف له أن يؤمن بأنها بديلا “لا يقاوم” للأسئلة المقالية؟ وكيف له أن يدعي أن دولا متقدمة كثيرة تعتمد الأسئلة الموضوعية، وأن تلك الدول لديها هي أيضا تضخم بالمعدلات؟ ما هي تلك الدول التي لم نسمع عنها إلا منه، وكم عددها! وبعيدا عن هذا كله، كيف يُسقِط تلك الدول كنموذج يصلح للاستخدام في البيئة الأردنية مع وجود مفارقات مهولة بين واقعنا وواقعها في نظم الأسرة والتربية والتعليم والتعليم العالي ومؤسسات المجتمع الأوسع؟

أعرف أن الجامعات التي درس فيها معالي الوزير هي جامعات محترمة، ولا أعتقد أن يكون هو نفسه ضحية مخرجات التعليم بالالتقاط عن بعد بطريقة التجاذب المغناطيسي الذي يحدث فلكيا مرة واحدة كل مئة عام بالصدفة! أو أن يكون ضحية مخرجات كتب الحُجُبْ وتوقعات النجوم أو ضحية مخرجات تعليم ضع دائرة على طريقة يحبني/لا يحبني، و .. خليها على البركة، وإذا عزمت فتوكل على الله! ولكن، هل تعرف هذه الجامعات ويعرف أساتذته ما يقوله حول هذا؟

ما حدث بمعدلات الثانوية لهذا العام والعام الفائت كارثة وطنية حقيقية وفضيحة بامتياز. إنني أشفق على مَنْ نجح من الطلبة بكدّه وتعبه وجهده هذا العام، وعلى أهاليهم، فلم يذوقوا لذة النجاح، وحتما سينعكس ذلك سلبا على نفسية هؤلاء الطلبة، وستنبت بذور الحقد بين الطلبة أنفسهم وفيما بين الناس أيضا. ثم بعد ذلك، مَنْ يمكنه أن يقنع طالبا (وأهله) حصل على معدل فلكي لا يستحقه أنه فعلا لا يستحقه؟ ستتصرف هذه الفئة من الطلبة وأهليهم كمن كذب الكذبة فصدّقها، وسيدرس الطب ويقع بورطة، ويرهق أهله ماديا ونفسيا، وسيزيد الضغط على أساتذته بالجامعة وتحتدم المواجهة بينهما، وستهبط مستويات معايير التعليم الجامعي إلى الحضيض تماشيا مع الواقع، وستخرّج الجامعات للمجتمع قنابل موقوتة ومشاريع فشل ستكمل بدورها هدم ما تبقى من الوطن!

مخرجات التعليم الرديء منذ عشرين عاما من معلم مهزوم أو طبيب فاشل أو مهندس هالع أو صحفي ‏خالع‎ ندفع ثمنها باهظا اليوم من دم عروقنا، لكن المزيد من النتائج الكارثية لانهيار منظومة التربية والتعليم لدينا قادمة على الطريق. المؤشرات لا تعد ولا تحصى، فلا زال قيام دولتي الكويت وقطر السنة الفائتة بسحب الاعتراف من بعض جامعاتنا حاضرا، طازجا، لاذعا، ساخنا بأذهاننا لم يبرد بعد. كنا نأمل أن يكون ذلك الجرح نقطة تحول لوقف النزيف وثم التعافي، لكن المؤسف أن وزارة التربية تتجه، بل تمضي قدما (كما فهمنا من وزيرها) لاعتماد تجربة هذا العام كـ “قصة نجاح” وكأساس للأعوام القادمة!

من المؤسف أن نرى عربة الوطن تسير إلى الهاوية دون فرامل، تسقط منها القطعة تلو القطعة، والناس متعاطين الوهم يتبعونها بالمباخر وبالتهليل والتكبير والهتاف والزغاريد وطخ البارود .. ولا أحد يبالي بأي وادٍ سحيق ستنتهي إليه العربة!

لقد أفقدونا لذة النجاح، وأفقدونا الأمل أن يكون لنا وطنٌ نعيش فيه ويعيش فينا!

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق