تعداد الاردن يكشف انعدام الثقة السياسية والاقتصادية بين الحكومة والشارع: تسهيلات بالجملة من الدولة

يجلس الاردنيون الاثنين في بيوتهم بانتظار اتمام العملية “الوطنية” التي حشدت لها الدولة مطوّلا كما قدّمت لانجاحها العديد من التسهيلات، ليس اخرها وقف الحملات المكثّفة على العمالة الوافدة وحذف كلمة “اسرائيل” من النص.
وأعلن رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور الاثنين عطلة رسمية بمناسبة “التعداد السكاني” الذي يجري كل عشر سنوات، رغم كون النسور ذاته قد أعلن أن التعداد قد يستغرق ما لايقلّ عن عشرة أيام لا يعلم أحد كيف سيتعامل مع كل يوم منها خصوصا لكون العاملين في التعداد من قطاع المعلمين.‏

وزارة العمل أوقفت فجأة حملاتها التي لا تتوقف على العمالة الوافدة، وأصدرت تعميمات حادة اللهجة عن كون العطلة للجميع ومن سيعمل له أجر الإضافي وان من يخالف يستطيع عماله التقدم بشكوى تكفلت الوزارة ذاتها بمتابعتها، الامر الذي لا تعلنه الوزارة غالبا بهذه الطريقة.
الحكومة أعلنت عبر كل الوسائل المتاحة عن التعداد باعتباره “استحقاقا وطنيا” الامر الذي تحدّث فيه مباشرة الدكتور محمد المومني وزير الدولة لشؤون الاعلام والاتصال لـ” رأي اليوم” الأسبوع الماضي وهو يستهجن كل محاولات تسييس الموضوع بعد احتجاجات شعبية على ورود كلمة “اسرائيل” ضمن أسئلة التعداد.
كلمة “اسرائيل” التي اعترض عليها معلمون في الكرك ثم تداعى الاردنيون لمقاطعتها باعتبارها نوع من التطبيع مع العدو، لم تكشف فقط عن نفسها، وانما أظهرت أن التعداد سيكون تفصيليا في سياق الاصول والمنابت على الاقل، الامر من المفترض له إلا يكون “مخيفا” او مهما في دولة لا تميّز بين أفرادها، أو على الأقل لايشعر الاخيرون بذلك فيها.
محاولات التسييس بالطريقة المذكورة وغيرها والتي قابلها الدكتور النسور ذاته بالتأكيد على عدم وجاهتها، قابلتها دائرة الاحصاءات العامة بأن ألغت الكلمة من ثلاثة مواضع من اصل اربعة، ما أبدى إيجابية في الطرح التعدادي بذلك الوقت.
الغريب ان دعوى المقاطعة للتعداد تحت شعار “رفض التطبيع″ لم يحصل عليها أي تعداد أو استفتاء، الامر الذي سخر منه ناشطون باعتبار الدولة لو احصته لاضطرت لإلغاء معاهداتها مع الجانب الإسرائيلي مثلا خصوصا بتوقيت كالحالي تنتفض فيه القدس وينتهك فيه الاسرائيليون الحرمات الفلسطينية المختلفة.
بغض النظر عن موضوع ورود “اسرائيل” في النصوص، يجلس الاردنيون والمقيمون والزائرون واللاجئون في بيوتهم وخيامهم ومخيماتهم الاثنين منتظرين شخصا لا يعلمون عنه إلا أنه “معلم جاء لتعدادهم” وان الاستجابة له واجب وطني، إلى جانب تأكيدات عديدة أطلقها رئيس الوزراء عن كون المعلومات “التي لا احد يعلم كنهها حتى اللحظة” لا علاقة لها بالضرائب أو البعد السياسي.
بالنسبة للمراقبين فإن مجرد تأكيدات رئيس الوزراء بالسياقين المذكورين تفضحان الكثير من نقاط ضعف الإدارة الاردنية والمخاوف الشعبية إلى جانب بطبيعة الحال عدم الثقة لدى الشارع المحلي بالحكومة في الجانبين الاقتصادي والسياسي الامر الذي ليس جديدا، وما عاد حتى الوزراء يخفونه بتصريحاتهم.

تخوف الاردنيين من فرض الضرائب الإضافية أو حتى من التحصيل الضريبي لما لا يتم تحصيله مشكلة أساسية بالنسبة للدولة وعلاقتها مع “دافعي الضرائب” على أراضيها، الامر الذي ليس سرا على أحد، واورده للصدفة تقرير أردني نيابي الاحد.
عدد من الوزراء التقتهم وتحدّثت إليهم “رأي اليوم” مؤخرا ايضا لم يخفوا أزمة الثقة بين المواطن والحكومات المتعاقبة حتى أن العاهل الاردني ذاته مدرك لذلك ووجه لمعالجته غير مرة.
دون الخوض كثيرا في مشاكل الاردنيين والمقيمين وغيرهم ممن على الرقعة الأرضية المحلية مع الدولة والتي عددها تقرير للكتلة النيابية المتشاركة مع الحكومة “مبادرة” باعتبار المناصب في الإدارة توزّع في الإدارة تبعا للمحاباة والتعامل مع الاردني يتم بعلاقة “زبائنية”؛ ظهرت واحدة من أكثر الاشكالات الإدارية وضوحا منذ ليلة التعداد، تحت عنوان أن أحدا لا يعلم ما سيحصيه المعلمون المتفرغون للقضية، إلى جانب صعوبة الوصول لموقع الاحصاءات العامة الالكتروني.‏
‏عدم معرفة الاردنيين بالمعلومات المطلوبة قد يكون مقصودا من حكومة النسور التي أظهرت باعلانها العطلة الرسمية مساء الأحد لمنع الاردنيين من اجازة ممتدة تأكل يوم الأحد ايضا، ما يجعل الجميع متوقّعا للمفاجات المختلفة بالتعداد، كما بطبيعة الحال لا يضمن دقّة كل البيانات في ضوء كل مناخ “انعدام الثقة” الذي يعيشه الاردنيون تحديدا مع حكومتهم.
حتى اللحظة،  شحذت الحكومة الاردنية الروح المعنوية للاردنيين دون عقولهم بقصة التعداد، الامر الذي لم تدرك فيه انه قد يوقع العادّ والمعدود في الكثير من الاشكالات وسوء الفهم التي لا يكفي معها فقط تطمينات الرئيس أو غيره ولا تفيده اغنية من نوع تلك التي اذاعها التلفزيون الرسمي.
الاثنين ذاته قد يحمل الكثير من المفاجآت غير المتوقعة تحت عنوان التعداد والذي من المفترض له ان يتم إلكترونيا في الوقت الذي يبدو أن موقعه الإلكتروني نفسه “معطّل”.

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى