تطوير المناهج والتدابير المجتزأة/ شروق جعفر طومار

تطوير المناهج والتدايير المجتزأة
شروق جعفر طومار

الجدل الواسع حول المناهج المدرسية الجديدة للصفين الأول والرابع في الرياضيات والعلوم المطروحة مع بداية هذا العام، والانتقادات الكثيرة لها، يفترض أن تكون متوقعة ومأخوذة في الحسبان لدى القائمين على المشروع.

من الطبيعي أن يواجَه أي مشروع تغيير أشكالا متعددة من المقاومة، خصوصا في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع المحافظ والتي لا تتسم عادة بمرونة عالية، ما يحد من إمكانية تقبلها لما هو جديد أو غير معتاد. وحين يتعلق الأمر بالمناهج المدرسية فإن العملية ستجد بيئة واسعة وأكثر خصوبة وتحفزا للرفض والمقاومة، خصوصا أنها عملية تؤثر في كل بيت.

لكن كل ذلك كان من الممكن حصره في أضيق نطاق، وتجاوزه بسلاسة، لو أن العملية قامت على منهج واضح وتفصيلي محدد الأهداف والخطوات، فالغاية ليست في التخلص من المناهج الحالية واستبدالها بغيرها وحسب، وإنما هي في تغيير فلسفة العملية التعليمية وممارساتها، بهدف إحداث تحول نوعي في هذه العملية للوصول إلى تعليم قائم على اقتصاد المعرفة، قادر على إنتاج مخرجات مسلحة بمهارات ومعارف العصر الحديث.

الاعتراف أخيراً بأن المناهج الحالية لا تخدم التطلعات كان خطوة أساسية على الطريق الصحيح، وعملية اختيار منهج أجنبي وترجمته إلى العربية ليس فيه برأيي ما يستدعي القلق، لكن الخلل كان في افتقار العملية للنظرة واسعة الأفق، فتغيير الفلسفة التي يقوم عليها النظام التعليمي تتطلب الأخذ بعين الاعتبار الكيفية التي تتفاعل بها مكوناته في إطار شمولي وتكاملي وإحداث التغيير المطلوب في كل مفصل منها لإنجاح التغيير الكلي المنشود.

ما حدث على الأرض هو أن مناهج جديدة، غريبة، “هبطت من السماء” على الطلبة وذويهم وعلى المعلمين قبلهم، دون أن تُجرى عمليات التهيئة اللازمة للمعلمين ومشرفيهم وللبيئة المدرسية بشكل يؤهل كل منهم لتقبل المناهج والتعاطي معها بإيجابية، وإن تضمنت سلبيات أو أخطاء يمكن تصحيحها بعد حصرها من خلال التجربة العملية، ما أدى إلى جفول كوادر التدريس وإحساس بالعجز انتقل تلقائيا إلى الطلبة وذويهم.

في لقاء سابق جمعني بمديرة المركز الوطني لتطوير المناهج، التربوية القديرة د. ربى البطاينة، استفسرت تحديداً عن ترتيبات المركز بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم لتدارك هذه النقاط، وتحدثت على إثر اللقاء في مقالين سابقين بالتفصيل عن أهمية تأهيل أركان العملية التعليمية لهذا التغيير، خصوصاً المعلمين، وضرورة تعديل ثقافة وذهنية المعلم للتعامل مع هذا التحديث والتحول. البطاينة أكدت حينها أن عملية تدريب عميقة سوف يخضع لها المعلمون في جميع المدارس، لكن ما يظهره الميدان يقول عكس ذلك.

بسؤال عدد من معلمي ومشرفي مدارس التربية للبنين والبنات في العاصمة، تبين أن أقصى مدة تدريبية خضع لها المعلمون الذين سيتعاملون مع المناهج الجديدة كانت خمسة أيام، بينما تلقى عدد آخر من المعلمين تدريبا لمدد أقل، ولم تتح لي فرصة معرفة ما إذا كان معلمو مدارس المحافظات قد تلقوا أي تدريب على ذلك.

أما فيما يتعلق بتهيئة البيئات المدرسية وإحداث أي تغيير فيها وتأهيلها لخدمة المناهج الجديدة وتسيير العملية التعليمية بما تتطلبه عملية التغيير، فإن إجماعا من المعلمين الذين سألتهم يفيد أن شيئا من ذلك لم يحدث.

جميع المعطيات تؤكد أننا ما نزال نسير ضمن إجراءات جزئية وخطط تفتقر للتكامل، وهذه الآلية للعمل ليس من شأنها إنجاح أي محاولة لإصلاح التعليم وتطويره، والاستمرار فيها سيبقينا في دوامة من المحاولات غير المجدية التي قد تنتهي بنا إلى فقدان الأمل بنجاح أي محاولة مستقبلاً.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق