ترامب و عقدة النقص العربية / يوسف القرشي

ترامب و عقدة النقص العربية

لم يكن غريباً على المرشح للرئاسة الأمريكية المليادير دونالد نرامب إطلاق تلك التصريحات النارية في إحدى كلماته العامة معلناً أن الحكومة الأمريكية يجب أن تمنع قدوم المسلمين إلى الولايات المتحدة ، فهو يعتمد منذ بداية حملته الانتخابية المثيرة للجدل ، على طبقتين داخل المجتمع الأمريكي ؛ أولها اليمين المتطرف سواءا من الجمهوريين أو مما يسمى بحزب الشاي ( The Tea Party ) وهي شريحة حاقدة على الحزب الديمقراطي وسياساته المنفتحة والـ (الجبانة ) تجاه أعداء أمريكا ، والشريحة الثانية هي ما يعرف بغير المقررين ، وهم عدد كبير من الأمريكيين الذين سئموا من العملية السياسية وفقدوا الاهتمام بها متابعة أو مشاركة . وبمعرفتك بهاتين الشريحيتين تدرك أن تصرفات ترامب التي تبدو للوهلة الأولى تصرفات رجل يتكلم دون أن يفكر ، هي كلمات مدروسة موجهة لشرائح معينة لا يهتم مهندسو حملته بغيرها ، بداية من شعار حملته : لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى ، وحتى اطلاقه لشاربه قبل الكلام في الولايات الجنوبية ،وانتهاءا بتصريحاته الصادمة .. كلها جزء من حملة مختارة بعناية ، من قبل فريق يفهم كيف يفكر الشعب الأمريكي الذي بات يعتقد أن أمريكا لم تعد في مكانتها السابقة .. كالقوة العظمى الوحيدة في العالم .

تصريحات ترامب سابقة الذكر لاقت كمية وافرة من الانتقاد والسخرية بل ومحاولة التجريم قضائيا من أكبر الجهات السياسية داخل الولايات المتحدة ، ابتداءا من البيت الأبيض ، مرورا بأعضاء مجلس الشيوخ والنواب ، وانتهاءا بأعضاء الحزب الجمهوري نفسه الذي يسعى ترامب لتحصيل دعمه في الانتخابات الرئاسية القادمة .

العجيب أن ترامب وجد من يدعمه داخل المجتمعات العربية ، حيث وجدنا عددا من الكتاب يبرر كلام ترامب ويجمع له المسوغات ، بل ويدعي أن مثل هذه السياسة كانت لتجنب أمريكا الكثير من الويلات ، بل ويتجاوز ذلك إلى اقتراح تطبيق النظام في الدول الأوربية ، ويهيل بالسب والشتم على ثقافتنا العربية والإسلامية كونها سبب المشاكل في هذا العالم المسالم الوديع ، و أعتقد أن عمود الجريدة لو طال به قليلاً لدعى إلى طردنا من بلادنا واستبدالنا بوجوه شقراء جميلة مسالمة تحب الحياة وتعشق السلام .

ردة الفعل الأمريكية الرسمية والإعلامية كانت نابعة من المبادئ الدستورية التي يفتخر بها الأمريكيون ، حيث وجدوا أن هذه التصريحات تميز ضد أناس محددين بسبب اعتقادهم ، وبالتالي فإنها بداية لعصر يفقد فيه الحلم الأمريكي بريقه الجذاب ، مما يجعلهم فاقدين لأكثر ما تبجحوا به منذ تأسيسهم لدولتهم .. الحرية المطلقة .

وهنا يحق للمتبع أن يتساءل : اذا كان الأمريكيون انطلقوا من حريتهم ، فمن أين انطلق أصحابنا المؤيدون لترامب ؟

هل هو العقل السلطوي المحب للحلول السيادية السريعة ؟ هل هي تصفية حسابات مع المجتمعات العربية ؟ أم هل هي عقدة نقص متجذرة وعبادة للقوي المتسلط أو حتى القوي المحتمل ؟

لربما تكون الإجابة عاملاً مشتركاً بين كل السابق ، لكن ما تثبته الأيام .. أن بعضنا مخلص لثقافة ليست بثقافته ، ومجتمع ليس بمجتمعه ، فهو مستعد لأن يلبس الجلد الذي خلعه الذئب ورماه في القمامة ، بعد أن تلطخ بدماء الخراف .

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى