تحت الضوء

تحت الضوء
د. هاشم غرايبه

هنالك ما كان يسمى مسرح الدمى، وفيه تتحرك الدمية المربوطة بعدة خيوط رفيعة غير ظاهرة للمشاهدين، بناء على شد بعضها وإرخاء البعض، بيد شخص مختف عن الأنظار بستارة، جالس فوق المسرح، يخيل للنظارة أن الدمى تتحرك بذاتها، لكن في الحقيقة لا تتحرك إلا وفق محركها الخفي في الأعلى.
انتهى عصر هذا المسرح، لكن بعد أن أصبح الواقع هو المسرح، فصار صانعو الأحداث يفعلون ما نعتقده وفق إرادتهم، ولكنهم فعليا مربوطون بخيوط خفية لا يملكون معاندتها.
هذا هو الحال اليوم، فما يقال أنه عصر الحريات وامتلاك الإرادة ما هو إلا كحرية الأغنام في الجري في الحظيرة، وأما حرية التعبير عن الرأي، فلا يعدو حرية الثغاء الى أن يُبحَّ صوتها، فلن يغير ذلك من قرار مالكها في اختيار أوجه استفادته من حليبها أو صوفها أو لحمها.
تمكنت حكومة العالم الخفية بالإمساك بكل مفاصل القرار في أمريكا وأوروبا، وأما بقية العالم فهو تابع لهما، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، لذلك أمسك المثلث الماسوني الشرير بالخيوط وجلس في أعلى المسرح، متسليا في اختصام المشاهدين (غالبية البشر من الدهماء) وتنازعهم على تحليل مجريات المسرحية والتنبؤات المتناقضة حول مآلات الأحداث، لكنه لا يفتأ يحرك الدمى الرئيسة وفق السيناريو الذي أعده لكل مسرحية.
لقد طور هذا المحرك اللعبة فجعل للدمى الرئيسة (حكومات الغرب) مهمة تحريك دمى فرعية (أنظمة العالم الثالث)، فغدت اللعبة مركبة وبالتالي مثيرة اكثر.
واستباقا لراي المندمجين بمتابعة المسرح، الواهمين بان الدمى أشخاص حقيقيون، واتهامي من قبلهم بالإستغراق في الخيال المبني على فكرة المؤامرة، سأقدم الأدلة من صميم الواقع المعاش وليس المتصور.
لو أخذنا أخطر الأحداث الهامة التي جرت مؤخرا وهي تدمير ميناء بيروت، منذ اللحظة الأولى واستباقا لأي تحقيق أعلن في كافة أرجاء العالم أن الحادث ليس مدبرا!، كيف يمكن لأحد الجزم بذلك؟.
لا يجوز منطقيا اسقاط أحد الفرضيتين (مدبر أو عرضي) إلا بأدلة قاطعة، والواجب تأجبل القطع الى حين استنفاد السند والحجة لأي منهما.
لذا فالإستعجال مريب، ويدل على التوجيه المسبق للتحقيق، لكي تكون نتيجته وفق السيناريو المرسوم، وذلك هو الدليل الأول.
الدليل الثاني ومتعلق بإبعاد التهمة عن المتهم الأول (إن لم يفلح التوجيه بانه حادث سببه الإهمال)، والذي هو الكيان اللقيط، بسبب تاريخه الحافل بمسؤليته عن كل العمليات الشنيعة في المنطقة، والتي تبين فيما بعد أنها جميعها تمت على يد “الموساد”.
كل التوجيه كان لإبعاد الأنظار عن الفاعل الحقيقي، والمرشح لتلبيسه التهمة إما داعش أو حزب الله، ولما كانت داعش قد أخرجت من المسرح، فلم يبق غير حزب الله، لذلك اختير إعلان قرار الإدانة المرتقب له من قبل المحكمة الدولية في موضوع اغتيال الحريري متزامنا مع التفجير، للإيحاء بأنه تم على صعيد الإحتجاج على قرار المحكمة.
كما كان هذا التوجيه خبيثا لأنه استغلال لحالة الكراهية التي عمت كل أرجاء الأمة ضد هذا الحزب بسبب انحيازه الطائفي المقيت، ووقوفه ضد الشعب السوري في انتفاضته على حكم الطاغية، وخيبة الأمل الشديدة منه بعد أن وقفت معه كل الأمة اعتقادا بأنه مخلص لها.
لكل ذلك كان من السهل تقبل اتهامه بهذا التفجير.
أما الدليل الثالث فهو مادي قطعي ومنشور على الإنترنت، ومستند على تصوير بكاميرا حرارية تصادف أنها كانت تصور الحريق، والتقطت في الثانية السادسة من الفيديونقطة حمراء (شعلة الصاروخ) تصطدم بالأرض وفورا يحدث الإنفجار الضخم.
طبعا سيسارع البعض الى القول أن الصورة مزورة استنادا على ما كان يبث من فيديوهات زورتها المخابرات الأمريكية إبان فترة الحرب على الإرهاب، وبنت عليها إعلاما مضللا، وتبرع المتعصبون ضد الإسلام بنشرها وترويجها لتعزيز فكرتهم عن ضرورة استئصال الإسلام (الإرهابي).
لكنني اطلعت على تحليل لهذا الفيديو، قام به محترفون، فدققوا في الفيلم صورة صورة، وثبت لهم أنه صحيح بدليل علمي وهو أن الصورة اهتزت لحظة الإنفجار، ولو كانت النقطة الحمراء ركبت فوق الصورة بواسطة (فوتوشوب)، لظلت النقطة ثابتة وما تحركت مع حركة الكاميرا.
السؤال لماذا لم يهتم أحد بهذا الفيلم، مع أن المحققين عادة لا يهملون أية واقعة متعلقة بالحدث!؟.
الجواب لأن من يحرك خيوط الدمى لا يريد للأغنام أن تعرف إلا ما يريدها أن تعرفه!.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق