تاريخ الطفيلة : للدكتور إسحاق عيال سلمان / أ.د. خليل الرفوع

تاريخ الطفيلة : للدكتور إسحاق عيال سلمان
هو كتابٌ موسوم بـ ” تاريخ الطفيلة من أواخر الدولة العثمانية حتى استقلال المملكة الأردنية الهاشمية ” ، لمؤلفه الدكتور إسحاق أحمد عيال سلمان ، والكتاب يتناول تاريخ الطفيلة خلال أربعةٍ وخمسين عاما من 1892م إلى 1946م ، وهي حقبة زمنية كانت الطفيلة خلالها وبقية المناطق الأردنية خاضعة للدولة العثمانية ثم للحكومة الفيصلية وانتهاء بإمارة شرق الأردن ، وفي هذه الحقبة يوثق المؤلف للطفيلة إداريًّا وجغرافيا واجتماعيا واقتصاديا وحضاريا مستندا إلى أصدق المصادر التاريخية وأدقَّها توثيقا وهي : السجلات الشرعية والإدارية والتعليمية والصحية والمجالس البلدية ودفاتر الطابو وتقارير الدولة العثمانية المعروفة بـ ” السالنامات” والجرائد والتقارير الحكومية وغيرها من المصادر المخطوطة والمطبوعة المعاصرة لتلك الحقبة التاريخية .
وبناء على تلك المصادر يوثق المؤلفُ للطفيلة من حيث : تضاريسُها وجغرافيتها ومناخها ومعدلات تساقط الأمطار ، وأسماء عيون الماء فيها وهي كثيرة ، وطرق مواصلاتها وتقسيماتها الإدارية ، إذ كانت عام 1868م ناحيةً تتبع لواءَ البلقاء ، وفي عام1895م أضحت قضاء تابعا للواء الكرك حتى استقلال المملكة ، ويذكر أسماء الذين تولَّوا وظيفةَ القائمقام ، فكان أولهم محمود أفندي وآخرهم صالح بك المجالي ، ويتناول القضاء الشرعي والعشائري وأسماء القضاة وشيوخ العشائر والمخاتير ، وأجهزة الأمن والجيش والأوضاع الأمنية حينذاك ، وأنواع الأراضي والزراعة والمزروعات ومن أكثرها انتشارا القمح والزيتون ، والثروة الحيوانية ، ومِهَن الأهالي، وأنواع العملة المتداولة بأسمائها وأهمها الليرة التركية والسورية والفلسطينية ،وأسعار الملابس والحيوانات والمحاصيل الزراعية والأراضي وأسماء المكاييل ،وقيمة المهور وأعداد الأسر والزواج والحالة الصحية وأسماء الأطباء والأمراض ، والحالة التعليمية وأعداد المدارس والطلبة والمعلمين ، ودور الطفيلة الريادي في الثورة العربية الكبرى والقضية الفلسطينية ، فقد كان لأهل الطفيلة دور مؤثر في ثورة الكرك عام 1911م ، إذ هاجموا دارَ الحكومة التركية ومخافرها في الطفيلة وسُجِنَ تسعةٌ منهم مع إخوتهم الكركيين في قونية ، وكان لمعركة الطفيلة المعروفة بمعركة حَدِّ الدَّقيق سنة 1918م أثرٌ جذريٌّ في سير أحداث الثورة العربية وانتصار جيوشها ، وقد استشهد ثلاثون مقاتلا من الطفايلة ، وكانت هزيمةً حاسمةً للاتحاد والترقي الذين أُسِرَ منهم مائتان وخمسون عسكريا ، وكان من نتائجها دخولُ الأمير زيد بن الحسين الطفيلة مع جيشه والقضاء على الحاميات التركية فيها ، وكان لأهل الطفيلة قبلَ غيرهم احتجاجاتٌ خَطِّيَّةٌ موثقةٌ ضد الحلفاء لتجزئة سوريا الكبرى ، وضد ما مُنِحَ لليهود من المندوب السامي البريطاني ، وقد استشهد سنة 1933م أحد أبناء الطفيلة من قرية بصيرا واسمه سليمان بن درويش بن موسى العطاونة في القدس أثناء تظاهرة ضد سياسات الإنجليز الداعمة لليهود ؛ فالوعي السياسي القومي والتضحية الوطنية عوامل شكلت رؤية تقدمية لأبناء الطفيلة من خلال تلك الأحداث ومن خلال انتماءاتهم الحزبية ومشاركاتهم في الأحداث الوطنية التي أفضت إلى الاستقلال .
وبعد، فما أحوجنا إلى دراسات علمية موضوعية ، وباحثين ينظرون في الوثائق والسجلات بعيدا عن الكتاباتِ الوصفية الإنشائية التي غلبت على كثير من الدراسات الإنسانية ، وكم نحتاج إلى دراسات تنهض على سجلات توثق للأردن عبر عصوره المتوالية ؛ ففي بطون الكتب والوثائق المخطوطة ما يُشَكِّلُ معلوماتٍ حقيقيةً تضيء زوايا مهمة من أحداث المكان والزمان والإنسان ؛ وفي هذا الكتاب كشفٌ عن تاريخ الطفيلة وما جاورها ، وقد ظُنَّ أنها حقبةٌ منسية مظلمة بيد أن الدراسة أثبتت أن الطفيلة كانت خلال أربعة وخمسين عامًا قبل استقلال الأردن مشاركةً في الحراك الوطني والقومي ، وأن أهلها كانوا كغيرهم من الأردنيين على قدر من الوعي ضمن منظومة أمةٍ لها تاريخ حضاري حتى في لحظات غياب الحكومات الوطنية ؛ ولم يزدها البعدُ الجغرافي أو استبعادُها إلا تمسكًا بالوطن الرمزِ والهُويةِ على الرغم من توافر الموارد الاقتصادية كالإسمنت والفوسفات والنحاس التي زادت أهلها خَصَاصَةً ومَخْمَصَةً وإيْثَارًا؛ فلم تُعْطَ نصيبَها بما يوازي تضحيات أبنائها في تشكيل الدولة المعاصرة ، إن كتاب تاريخ الطفيلة لمؤلفه التربوي الدكتور إسحاق عيال سلمان بما بُذِل فيه من جهد جَلِيٍّ لَيُعَدُّ مُنْجَزًا علميا مهمًّا لأبناء المنطقة وما يصاقبُها ولكل الباحثين في تاريخ الأردن ، فحالة الوعي السياسي والحضاري التي نراها الآن كانت نتاجَ سنين من المعاناة والمكابدة بين الإنسان والطبيعة من ناحية وبين الإنسان وأعدائه من ناحية أخرى ، وما كان الأردنيون على هامش الحضارة بل كانوا في متنها فاعلين مؤثرين، وستبقى الطفيلة عصيَّةً على الضَّيْمِ والنسيان، ففيها رجالُها الذين تعلموا من الزيتون كيف يتجذرون في الأرض , ومن رؤوس الشامخات من جبالها كيف يعلمون أبناءَهم الصعودَ في منازلِ الغيم ومدارج الإباء ، وما زال تاريخُها مكتوبًا في قلوبِ أبنائها وعشاقها بأحرفِها بيادرَ كَرَمٍ وحقولَ وفاء.
.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق