بين الديك والدجاجة

بين الديك والدجاجة
يوسف غيشان

بدأ الاستلاب الفني للمرأة منذ بدايات العصر الذكوري، حيث سيطر الذكر على الحياة والميثولوجيا والتاريخ، وحول المرأة من ذات الى موضوع يمارس عليه وفيه عقده النفسية، ملغيا ذاتيتها ومحولا إياها الى موضوع وغرض لمتعته.
ومن بدايا ت نشوء الفن العربي – في مجال الشعر تحديدا- تم استبعاد المرأة عن معظم اغراض الشعر، لا بل تم حصارها في مجال الرثاء والعويل والأمومة. وهذا ما لم يختلف من مرحلة ما تسمى بالجاهلية الى ما بعدها…. فلا نعرف شعرا جاهليا لنساء – عدا الرثاء-ومن المحتمل ان يكون الكثير من الشعر النسوي العظيم قد تم إعدامه في مرحلة التدوين فيما بعد.
المثل الأكبر على ذلك هو الخنساء (تماضر) التي ابدعت في رثاء اخوتها وأبنائها فيما قبل الإسلام وما بعده…. ومن المؤكد انها كتبت الشعر في اغراض اخرى لكن تم تجاهله. كما تجاهلوا شعر ابنتها الشاعرة، تماما كما حصل مع اختيّ الشاعر زهير بي ابي سلمى…. لا بل ان ما وصلنا من شعر الخنساء ذاتها اقتصر على مقطوعات وابيات مختارة من قصائد عملاقة.
ليلي الأخيلية لم يسمح بتداول شعرها وتدوينه، الا بعد وفاة حبيبها(توبة بن الحمير) اي بعد ان تحولت من (عاشقة) الى (راثية). وبما انها بلغت من العمر عتيا فقد سمح الضمير الذكوري بتداول بعض غزلياتها.
الخليفة هارون الرشيد كانت عقدته اخته (عليّه) التي كانت تكتب الشعر الوجداني، ولم يتنفّس الصعداء الا بعد ان ماتت قهرا وكمدا، فارتاح من هذا الهم الثقافي المزعج. وقد روي ان المعتصم لما سمع ابياتا مغناة اعجبته ،وسأل عن قائلها ، ولما عرف انها لعمته (عليه) تضايق وانفعل، وكاد يفتك بالملحن والجواري المغنيات.
الشعر وغيره من الفنون كان محرما(عدا الرثاء طبعا) على الحرائر ومجازا للجواري وأشباههن.وكان الفرزدق قد صاغ عبارة (اذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها) وكان يقصد الشاعرات الإناث تحديدا….وقد تم تحويل هذا القول الى مثل شعبي عربي متداول ومعمول به.
لا شك ان الكثير من الشاعرات العظيمات خسرناهن لأنهن إناث …ومن نجح منهن رغما عن القيود…. قام الذكر العربي فيما بعد، بإعدام نتاجهن الفني. فهو المدون ومالك المال والسلطة والعجرفة، وتحديد معنى وحدود الصح والخطأ.
ايتها المرأة ..كم انت رائعة!!
ايها الذكر ..كم انت ظالم!!

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق