“بوح الروح”

“بوح الروح”
د. محمد شواقفة

ما بين الجدار و الجدار ترحل عيناي تبحث عن بقايا صورهم. تلاحق خيط دخان يبحث عن كوة لينفذ منها صوب الفضاء. تتراكم الخيالات تترى لها صوت و لكنه بدون معنى. يهاجر النوم جفني فلا يلتقيان و تعترض اقترابهما دمعة حرى. تحاول التحرر و السقوط فلا تقوى و ترتد عائدة إلى مكمنها.
هنا كانوا، هناك لعبوا و هذه بقايا أوراق مدارسهم و أشياء لم تعد تهمهم تركوها و رحلوا. أحاول بعيني أن أجمعها في زاوية ذاكرتي و أسترجع اللحظات. صدى ضحكاتهم يتلاشى و بالكاد أسمعه و أتبعه بعجزي فأحث الخطى ولا أدركه.
أراهم يجلسون على تلك المقاعد الفارغة و أذهب كل ليلة أتفقد سرائرهم الخالية و أرتب ما بقي وراءهم من فوضى تذكرني بهم. ألملم أشياء كانوا يحبونها، أخاطب ألعابهم التي ظننتها لوهلة تسألني عنهم و أخبرها بأن غيابهم هذه المرة قد يطول. و أبتعد قليلا و أقترب من أبواب غرفهم الموصدة فأصيخ السمع لعلني أحظى بمناجاة تائهة تركوها. و تحلق روحي كفراشة تقترب من لهيب الضوء و هي لا تخشى احتراقا.
يضيق الصدر بحشرجة تشابه البكاء و تلهج الروح بأنين صامت يتدفق تعابير شوق من قلم جف مداده. و تلتفت الروح لجدارية الوقت التي توقفت عندما غادروا و كأنها تحتج على البعد و تعلن بأن الزمان بدونهم لم يعد حياة. و تجمد الحرف عند لحظات وداع لم تبح بكامل الأسرار… فقط قبضت عيناي على صورتهم يلوحون لي بأيديهم :” إلى اللقاء”.
تعود عيناي إلى الجدار الأصم فلا تجد سوى خيالا باهتا و صورة لذات المشهد. تلفه ظلمة الليل الطويل بساعات من الأرق الذي تكسره قليلا خيوط الفجر لتعلن يوما مكررا رتيبا كسابقاته.
يغلق جفنيه عنوة ليسرق لحظات من نوم لم تعد تطلبها روحه التي غرقت في فنجان قهوة باردة لم يشربها أحد.
تخاطبه مرآته التي التقطت ملامحه صدفة، أين أنت؟ فلا يملك جوابا : لقد رحلت عندما رحلوا !!!

“خاطرة”

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى