بلا مجاملة

بلا مجاملة
د. هاشم غرايبه

سألني أحدهم: ترى أين هو اليسار الآن؟، وأين من كانوا يلهبون الجماهير بشعاراتهم النارية، هل اندثروا أم زاغت عنهم الأبصار!؟
قلت الأمر يحتاج الى تقديم وتفصيل.
فالنظام السياسي العربي حالة فريدة بين أنظمة الحكم في العالم، ورغم أن كل الأمم على مر تاريخها مرت بحالات من الصعود والتسيد، وحالات أخرى من الإنهزام والخضوع لأمة أخرى، إلا أنه لم يحدث حتى في تلك التي استسلمت وخنعت لشروط الغالب أن تقسمت وتجزأت، فقد انهزمت اليابان والصين وكمبوديا والملايو والهند وألمانيا وفرنسا والطليان والفرس مرات عديدة…لكن أيا منها لم يتقسم، وظل أمة واحدة، سواء كانت غالبة أو مغلوبة، فلماذا شذت الأمة العربية وحدها دون الأمم، وتقسمت، ثم كرست أنظمتها السياسية هذه الحالة!؟.
مهما تعامينا عن الإجابة الساطعة وحاولنا البحث في غيرها، لن نجد غير أن السبب يعود الى أنها هي الحاملة لمنهج الله، والمكلفة بنشر دعوته الى البشرية جمعاء.
وعندما تمكن المعادون لهذا المنهج منها بعد قرون، لم يجدوا وسيلة لدوام اخضاعها أنجح من تقسيمها، وايكال الحكم فيها لمن تضمن ولاءه لإدامة هذه الحال.
هذا على صعيد الأنظمة، لكن شعبيا ولكي يحولوا دون المطالبة بعودة الإسلام لتسلم الحكم، ابتدعوا مناهج بديلة قالوا إنها تحقق التقدم وتوحيد الأمة أفضل من الإسلام، وزينوا للناس شعارات بعضها عودة الى القومية العربية قبل الإسلام، وأخرى إشتراكية مستوردة من الفكرة الماركسية.
ساندت الأنظمة تلك الحملة تحت مسمى فصل الدين عن السياسة، وحوربت الدعوة الى وصول الإسلام الى الحكم، وصدرت تشريعات موحدة لكل الأنظمة تُجرم العمل السياسي تحت عنوان إسلامي.
لزعزعة آخر صور الدولة الإسلامية وهي العثمانية كانت أذرع المخابرات البريطانية تبحث عن أنوية لأحزاب جماهيرية معادية للإسلام فأسست جمعية الإتحاد والترقي (وهي فرع ماسوني في تركيا، مثل الروتاري والليونز المنطقة العربية)، وتمكنت في ظل النظام المتداعي من زرع عملائها في أماكن حساسة (مثل جمال باشا)، فأشاعت الظلم بين العرب، لتؤجج العداء ولتوجد أرضية للدعوة للثورة العربية على الأتراك، واستغلت الرغبات التحررية من الحكم العثماني لتشجيع الحركة القومية العربية، لتجعلها في تصادم مع الدين حينما ربطت بين الإسلام وممارسات حكام أواخر الدولة العثمانية.
من جانب آخر كان مخططو تقسيمة (سايكس – بيكو) قد وجدوا متبرعين في سوريا ولبنان ومصر من الحاقدين تاريخيا على الإسلام، بالعمل لتأسيس حركات (نضالية) قومية وماركسية، ونجحوا بتكوين فكر نقيض للفكر الإسلامي، لكن البسطاء الذين اتبعوهم لم ينتبهوا الى أن (نضالهم التحرري) لم يغير في الواقع المتردي قيد أنملة، بل إن حلم الوحدة والحرية الذي يدعون إليه يزداد ابتعادا، وفعليا اقتصر (نضالهم) على التصدي لدعاة الفكر الإسلامي المقموعين أصلا من الأنظمة، اعتمادا على إشاعة أنهم عملاء للغرب، ولو سألت أحدهم دليلا لما وجد، ولاكتفى بإرجاع ذلك الى أن الغرب يقبل من جاءه منهم لاجئا من بطش دولته، لكن تفسير ذلك أنها لعبة ذكية من الغرب لتهجيرهم، فهم بين ظهرانيهم محاصرون، وضررهم عليهم لايحصل إلا في بلدهم.
انتظر الواهمون والمخدوعون بهذه الشعارات قرنا من الزمن على حكامهم، لكن لم يتحقق ولو جزء ضئيل من وعودها، لا بل تفاقمت الأوضاع المعيشية بسبب الفساد المتفشي في أنظمة عفنة تجاوزها العصر، ومت مدد لها تاريخ انتهاء الصلاحية، إلا المعادون للأمة والطامعون بدوام نهبهم لها، فتشكلت حركة معارضة من الناقمين، سميت بالثورات العربية، وكانت في أغلبها من الذين لا يؤمنون بتلك الحركات الوطنية المهترئة (القومية والماركسية والإسلامية)، لكنهم يؤمنون بأن الإسلام فقط هو الذي يحقق للأمة وحدتها.
هنا حاولت هذه الحركات ركوب الموجة، طمعا وانتهازية، الثوار لم يكونوا مسيسين فرفضوا القوميين والماركسيين لأن منهجهم هو ذاته منهج الحكام الذين ثاروا عليهم، ورحبوا بالإسلاميين لأنهم لم يسمح لهم بأن يُجرَّبوا.
وهنا حدثت المفارقة إذ رمى هؤلاء العنب الذي لم يطالوه بحجر قائلين إنه حصرم، وانحازوا الى صف الحكام الذين طالما تشدقوا بأنهم يناضلون لإسقاطهم، بل زادوا في غيّهم فقلبوا الأمور، إذ وصموا الشعب الثائر الذي طالما تغنوا بحقوقه وآماله، وصموه بالعمالة للإستعمار، وبأنه لا يستحق الحياة.
بعد كل ذلك…كيف سيبقى لهم بين الجماهير من ثقة!؟..

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق