بقايا البقايا

[review] نظرت في عينيه على غفلة من ذهوله بها… تلاقى قلباهما عند الحد الفاصل بين احتضار الحب وبرزخ النسيان!

تلاقفهما الهدوء المطبق على ماضيهما الحاضر بعد حين! فارتقت عيونهما إلى لغة الصمت… واختار قلباهما همس النبض ملاذا للقاء الأخير!

فجاء الحديث عتابا صامتا يفرج عن غصة دفينة في قبر الأحزان المتبعثرة في زوايا الذاكرة!

هي:

لماذا تحاول أن تحشرني بين شرايين قلبك المزدحم جدا؟!

على ما يبدو من انفراج مسامات وجهه، فقد أعجبته صيغة سؤالها الأدبي! مع بعض الارتباك لغرابة المفاجأة!

هو:

لأن المكان الضيق يتسع لـمــ100ية محب!!

أرادت أن تفند جملته، تنفيها، تمحوها من قاموس الأمثال العربية… استجمعت قوى هدوء عينيها مجددا، فنجحت في إطفاء شرارة الدمعة التي لمعت بها… حاولت المباعدة بين خديها في محاولة بائسة لابتسامة بنفسجية!

هي:

قلبك ليس بضيق!

استعاد بعض اتزانه، واستدعاه غرور حبيب ألقى بقلبه على عمر الغير دون استئذان… قلبه ليس بضيق!! ابتسمت عيناه!

هو:

أحسنتِ!

لمست قلة فهمه للأمر، وأحسّت بأنها بدأت تفقد جدية الحوار! داهمت عينيها شرارة أخرى من نوع الغضب الأبيض… فلم تحاول أن تطفئها!

هي:

ففي الوقت الذي تحاول فيه جعلي جزءا من كلًّ كبير… هناك من يريد جعلي كله!

ما زال يعترف بينه وبين نفسه بعجز كلماته أمام خفة لسانها ورشاقة تعبيرها..!

هو:

جعلتك جزءا من قلبي.

هي:

ما مساحة ذاك الجزء؟!

محاولة هروب…

هو:

أجزاء القلب لا تقاس بالمساحة!!

هي:

وكيف يقاس خفقه حباً؟

سريعا…

هو:

بعدد النبضات إلى الوقت السعيد…

هي:

وما عدد نبضات قلبك بحروف اسمي نسبة إلى الزمن الماضي؟

شعر بأن الفرصة حانت لإنهاء الحوار الصامت الغير متكافئ…

مع محاولة عدم إلقاء ظلال حزن عينيها في عينيه…

هو:

كثيرة كثيرة…

هي:

قليل دائم خير من كثير منقطع!!

شعر بأنها لخصت سيرته الذاتية في الحب!!!

هو:

يوووووه!! لماذا تصرين على أنه سينقطع؟!

هي:

لأن قلبك مزدحم جدا!

وخشيت أن تضيف : ولأنه لم يعد هناك متسع من الوقت لإفراغ مكان في قلبك! أو لتوسيع بقعتي هناك!

شعر بأن الحوار سيكرر نفسه… ليخسر مجددا …

وجد أن لا حلّ آخر سوى الهروب من بريق عينيها… بدأ يتلفت من حوله… يناظر ساعته… ويلعن العاصفة التي أخرت الطائرة عن موعد وصولها!

– ما رأيك بفنجان قهوة، -لأن الانتظار أظنه سيطول-؟

– الفنجان الأخير! أحست برغبة بالبكاء… إن كان ساخنا حلوا ، فلا بأس!

– حلوا، حلوا… خمس ملاعق سكر ستذوب في قاعه دون ألم!!

أرادت أن ترجوه ألا يذهب لإحضار القهوة… فقط أن يبقى لتستعين بآخر اللحظات في منفاها وطنا يقيها سخرية القلب!

فكرت قليلا… ثم ابتسمت لأنها ستتمكن من ارتشاف الفنجان الأخير برفقته… كان ذلك ضمن برنامج وداعها الذي لم يتسنى لها تنفيذه!

– فنجان قهوة أخير… قد يسهرني ليال طوال مع طيفه! فنجان قهوة أخير… قد يكفيني شر القهوة الأجنبية لو لحين! فنجان قهوة أخير… فليكن فنجاننا الأسطوري! فلتنعمي في لحظاتك الأخيرة معه بفنجان قهوة ليكون سكر الذكرى الذي يخفف من مرارة الألم الذي لن يعرف له النسيان طريقا!

فنجان قهوة حلو… ومطار مزدحم… وحقائب تكتظ بالذكريات التي لا تغني من دموع! وقلب يتبعثر على المحطة الأخيرة من الوطن… ولحظات أخيرة… وبقايا أحبة… وانتظار!

يسير ببطء كي يحافظ على الوجه القشطي الذي يعلو فنجانها… ترقب سيره وتعد خطواته وفي نفسها خوف على دفتر مذكراتها ألا يتمكن من حمل الهدية الأخيرة منه!

على ركاب الطائرة رقم — المتوجهة إلى… التوجه إل المدرج…!!!!

صوبت نظرها في عينيه… وفنجانا القهوة يتراقصان بين يديه… وصورة طيفها بدأت تتشكل في الفنجان!

-سأتصل فور حصولي على رقم هاتف من هناك…

هز رأسه موافقا… عليكِ ذلك!

ثم لحظة صمت… ليس إلا صمتا!! وسحابة صغيرة ساخنة برائحة القهوة تفصل بين عينيهما !

على ركاب الطائرة…!!!

-حان الوقت!

– سأكون بانتظارك…

أدارت ظهرها… وبدأت بالسير على آهاتها المثقلة به…

وما زالت رائحة الفنجان الأخير عالقة بين شعيرات أنفها! وما زال خوفها عالقا في قلبه المزدحم جدا! وفي مخيلتها ألف حديث صامت آخر!

حينها فقط أدركت تماما أنها تأخرت في لملمة انعكاسات قلبها المتبعثرة فوق بلاط المطار اللامع! حاولت استدراك نفسها قبل أن تأتي برجلها اليسار آخر خطوة تربطها ببقاياها… أدارت ظهرها لعل تلويحة أخيرة تعيد إليها أجزاءها المتساقطة في خريف القلب… أذنت لعينيها بتصفح الوجوه الكثيرة التي أعياها الملل والألم وطول الأمل! وجدت مقعدا مثبتا بإحكام في احدى الزوايا المنسية… فوقه فنجانا قهوة يختنق أحدهما ببقايا نفثة دخان!

الصغيرة…

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى