أمُّك ثم أمُّك

أمُّك ثم أمُّك
سالم محادين

كُلما التقيتُ بسيدةٍ مُتَقَدِمَةٍ في السن استعدتُ بها أمي وعدتُ أنا أيضًا طفلًا، ولكم أن تتخيلوا طفولةَ أبٍ حاليٍّ بدأ يُدركُ كم أنَّ الأبُوَّةَ والأمومةَ مرهقةٌ، وما يلي ذلك ويتبعه من جولاتٍ في عالمِ الألَقِ لا تتصدرهُ في حياتِنا إلا الأمهاتُ بما فيهنّ من حنانٍ وحنينٍ وعاطفةٍ تُدَغدِغُ إحساسَ الفرحِ مع كُلِّ هَمسةٍ ولمسةٍ!

الأمرُ مُتعِبٌ ومبالَغٌ فيه، ويجعلني أحيانًا أقلِّلُ ما استطعتُ من الأسواقِ وزيارتِها كي لا أخوضَ يوميًا هذا الصراعَ المُتأتيَ من تلكَ المُصادفاتِ المُرشحةِ للتكرارِ مع كلِّ أمٍ تمضي بطفلِها أو طفلتِها في الشارعِ لقضاءِ حاجةٍ ما، خاصةً مع قُدرتي الفائقة التي لا أحبها على الربطِ بينَ كفاحهنَّ المُرتسمِ على الوجهِ عبرَ تجاعيدَ فاتنةٍ وبينَ عُسرِ الحالِ وتلك القُدراتِ المحدودةِ في ظلِّ السَّعيِّ المَحمومِ لمنحِ فلذات أكبادهنَّ لذَّةَ العيشِ الكريمِ!

لطالما تمكنتُ من إقحامِ قصيدةِ (هشام الجخ) المشهورةِ عن الأمِّ في تفكيري “يا شاقة القلب ومسافرة” فتتمكنُ كلماتُها من دغدغةِ مشاعري الهائجةِ فألجأُ إلى الكتابةِ حتى الرومانسيِّ منها مُفرِّغًا عبرَها طاقةً من الحُزنِ حين يُمسي لزامًا التخلُص منها، فما أجمل ( الجخ ) حينَ يصفُ زيارتها على فراشِ المرضِ “رسمت الضحكة على وشي وبزيادة ، دخلت عليها عارفاني أنا الكداب كالعادة ، ومين يقفشني غير أمي ؛ اللي عاجناني وخابزاني وخالعة بيدها سناني ! حاولت أخدعها وأستهبل ، بقالك عمر بتمثل ، يا راجل خلي عندك دم ! دي حافظة عينيك وتقاطيعك وتهتهتك وألاعيبك ، عايزها منين تجيب لك حيل عشان ما يبانش في عنيها العذاب والهم : يا راجل خلي عندك دم”…

أمُّك ثم أمُّك ثم أمُّك، الحياةُ ملأى بالمُنغِصاتِ والعَقَباتِ والتفاصيلِ التي قد تُوَتِر علاقتك مع قريبٍ أو غريبٍ ولكن عليكَ الحرصَ ألّا تكون إحدى هذه الشوائبِ ولو ليومٍ واحدٍ في علاقتك معها، تَشَبَّث ما استطعتَ بقلبِها ودعواتِها ورضاها، الأبُ مذهلٌ في محبتك وفي عطائِهِ ولكنَّ الأمَّ عالمٌ آخرٌ من المحبةِ، وبحرٌ من التفاني والتضحياتِ، اغرقْ فيه كما يليقُ بالبللِ الذي أتمنى أن يدومَ مع الأبناءِ لأقصى فترةٍ ممكنةٍ، رحمَ الله الراحلاتِ وألبسَ من هنَّ على قيدِ الحياةِ ثوبَ الصحةِ والعافيةِ.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق