الوجود الأمريكي في المنطقة / د. كمال الزغول

الوجود الأمريكي في المنطقة :”انتشار للأمام واعادة توازن” استراتيجي.
إن ما يجري الأن من تأهب للقوات الأمريكية في منطقة الخليج ليس فقط لمقارعة ايران او ابتزاز دول المنطقة ، بل هو استراتيجية شاملة لضمان توازن أمني استراتيجي مع الوجود الروسي في أهم مربع أمني استراتيجي في العالم وهو الشرق الأوسط. وهذا ما ركز عليه مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون الذي شجع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش على غزو العراق عام2003 م هو نفسه اليوم يشجع الرئيس الحالي على الحرب على ايران وسنرى لاحقا لماذا هذا الرجل يدبر لهذه الحرب وما هي أهميتها بالرغب من العقبات التي تواجهها من قبل الكونغرس حول الإنفاق وتكاليف الحرب ،ومن أجل اعادة الانتشار في الشرق الأوسط وجد بولتون ايران نقطة البدء لإستعادة التوازن الإستراتيجي الامريكي في المنطقة.
إن استراتيجية الحرب على إيران مكلفة ولكنها جديرة لحفظ الأمن القومي الأمريكي كما يرى بولتون ،فلو رجعنا الى الوراء ودرسنا موازين القوى بين القوات المشاركة في الحرب على العراق والقوات المقدر مشاركتها إذا حدثت الحرب على ايران ،فإننا سنجد ما يقارب 150 ألف جندي أمريكي شاركوا في غزو العراق بينما ما يروج له الآن هو 120 ألف جندي سيخضع ارسالهم لموافقة الكونغرس. في الوقت الحاضر، يبلغ عدد القوات الايرانية 523,000 ألف جندي عامل، بينما كان عدد الجيش العراقي المقاتل عام 2003م ما يقارب 455,000 ألف جندي.
ومن الجدير بالذكر انه عندما حدثت الحرب على العراق عام 2003 م كان عدد سكان العراق 25 مليون نسمة ما عدا المهجرين على مساحة تقدر ب 437,072 كيلومتر مربع ، بينما اليوم نجد عدد سكان ايران ما يقارب 81 مليون نسمة حسب احصائية عام 2018 على مساحة تقدر ب 1,648,195 كيلومتر مربع.
أمريكا اليوم تنظر الى هذه الأرقام بكل جدية ، وتعلم جيدا أن حرب العراق أخذت 12 عاما كحرب استنزاف ما قبل الغزو منذ عام 1991م حتى عام 2003م ، و8 سنوات كإعادة تنظيم لقواتها حتى الخروج من العراق في عام 2011 م بعد خسارة ومقتل 4421 جندي أمريكي و إصابة 32,000 ألف جريح ودفع 802 مليار كتكلفة لتلك الحرب .من هنا خطوات الولايات المتحدة ستكون بخطوات بطيئة للتعاطي مع الملف الإيراني لكنها في الوقت نفسه فتاكة بمحاصرة بلد عدد سكانه 81 مليون نسمة مصدر رزقهم الرئيسي هو البترول.
الوضع الميداني والسيناريوهات المتوقعة.
السيناريو الأول :
تبعا لجغرافية ايران فإن المفكرين العسكريين الامريكيين ينظرون الى ايران على أنها محور متداخل جغرافيا بين شرق آسيا والشرق الأوسط ، حيث أن ايران يحدها من الشمال بحر قزوين والذي شنت من أجله امريكا مع دول التحالف حربا شاملة في افغانستان لأنه غني جدا بالبترول ونقطة فصل بين روسيا وشرق آسيا، في الوقت نفسه ايران لديها حدود مشتركة مع افغانستان وباكستان والعراق وتركيا، وجميعهم دول حليفة لأمريكا، ايران ايضا يحدها من الجنوب عُمان والخليج العربي ومضيق هرمز الذي تمر منه ثلث ناقلات نفط العالم. وعليه فإن الخطوة الأولى لوزير الخارجية الأمريكي كانت بزيارة الاتحاد الاوروبي لتبني حلف دولي لمحاصرة ايران واجبارها على التخلي عن تخصيب اليورانيوم، ففي الوقت الذي يحشد فيه بومبيو الدول والتحالفات ينظر مستشار الامن القومي جون بولتون الى ابعد من ذلك، حيث يتبنى استراتيجية استباقية لها معنى في نظرية الأمن القومي الامريكي وهي “تثبيت القوات المعادية” وحصارها اقتصاديا لحين مهاجمتها ، لذلك هو يريد أن يحصن موقف امريكا في الشرق الأوسط ويريد أن يتجنب إعادة إحياء المد الروسي الإيراني في افغانستان فهو يعتبر الوجود الروسي في الشرق الأوسط بمثابة حاجز صد للتململ الايراني الروسي في أفغانستان وهذا ما فعلته ادارة الرئيس السابق اوباما عندما أعلن ما بات يعرف “محور الإرتكاز الآسيوي” ودبلوماسية “الإنتشار الى الامام” حيث كانت تهدف الخطة الى نشر 60% من اسطول البحرية الامريكية في منطقة المحيط الهاديء بحلول عام2020م. ومن هذا المنطلق، الاستراتيجية المتبعة حاليا هي التفاوض مع الروس لاخراج ايران من سوريا وعزل حزب الله في لبنان الذي يمتلك 130,000 ألف صاروخ . يتبع هذه المفاوضات قصف اسرائيلي في سوريا على مواقع حزب الله وايران لإخراجها من سوريا ، وبالتوازي سيتم الضغط على العراق لتحييد المليشيات الإيرانية في العراق، في المقابل أيران لا يوجد لديها الا خيارين، الاول هو عدم الاكتراث واتباع سياسة “النعام” ودفن الرأس في التراب، والثاني هو تبني حرب بالإنابة في المنطقة والتركيز هنا سيكون على المليشيات العراقية ومليشيات الحوثي في اليمن لتجنب الحرب داخل الاراضي الايرانية.
السيناريو الثاني :
هذا السيناريو هو سيناريو التفاوض وهو ان تقبل ايران بإعادة التفاوض على الملف النووي الايراني آملة أن يخرج ترامب من الرئاسة في انتخابات عام 2020م وعندها ستبدأ المناورة من جديد حول الملف النووي الايراني، لكن هنالك تنافس شديد بين الديمقراطيين والجمهوريين على كرسي الرئاسة وهذا الرهان سيؤدي الى تجويع الشعب الايراني بسبب الحصار الإقصادي على ايران،لكن إذا شعرت أمريكا بأن إيران ستعود لتكون شرطيها في المنطقة وضمن الشروط الأمريكية فسيتم التوافق على تعديل الإتفاق النووي وخفض التصعيد.
السيناريو الثالث
هذا هو السناريو الأسوأ فإذا فشلت المفاوضات وكتطور للسيناريو الأول وكنتيجة لعمل تعرضي من قبل أحد الأطراف وبعد المعاناة الإيرانية من الحصار والقصف في سوريا واليمن فقد تستخدم ايران الألغام دون الإشتباك لعرقلة حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز والذي بدوره سيجبر الدول الاوروبية للانضمام للتحالف الامريكي ضد ايران بسبب التأثيرات على اقتصادات تلك الدول، وكنتيجة لإستنزاف ايران فقد يستخدم الحرس الثوري هجمات انتحارية بزوارق صغيرة لإعاقة حركة الملاحة ، وقد تستخدم ايران الحوثيين لمهاجمة المملكة العربية السعودية ودول الخليج في الوقت الذي ستنشر فيه ايران متمردين في افغانستان وقد تظهر حركة جديدة على شاكلة حركة احمد شاة مسعود التي ظهرت ابان الثورة الافغانية ضد الاتحاد السوفييتي السابق. هذا السيناريو يعتبر هو الأخطر وقد يقود الى قصف محطات ايران النووية وقصف منصات الحرس الثوري الباليستية، وهو سيناريو تطوري وليس بقرار مسبق.
الخلاصة .
يبدو أن السيناريو الثاني هو المرجح والوجود الأمريكي في الخليج ليس لمحاربة ايران فقط ومحاصرتها إنما هو تفكير استراتيجي إستباقي يعتمد مبدأ “اعادة الانتشار في الشرق الاوسط” سيجد في طريقه معضلات تؤثر على الأمن القومي الأمريكي وسيقوم بمعالجتها في المنطقة ، وبما أن فرضية الحرب على ايران محفوفة بالمخاطر مقارنة بحرب العراق عام2003م من ناحية الوضع الجغرافي لإيران وموقعها الإستراتيجي والتجاري ، فإن الوعي الأمريكي بدأ يتجسد في سد الفجوة التي احدثتها سياسة الرئيس الامريكي السابق اوباما في العقد الأخير من هذا القرن بإستعادة سياسة العصا والجزرة الى المنطقة. وبشكل عام ستخسر ايران في جميع السيناريوهات إن لم تعُد الى سياسة حسن الجوار قبل مقارعة العالم وتنقذ ايران من الموت الإقتصادي البطيء،اذاً ايران على وشك خسارة الملف النووي وبعنادها ستخسر درعها الصاروخي المتمثل بالصواريخ الباليستية حتى لو لم تحدث الحرب على الإطلاق لأن الحرب الاقتصادية هي اشد فتكا من الحرب التقليدية هذه الأيام والوجود الأمريكي مستمرا وليس مفاجئا.
Alzghoul_kamal@yahoo.com

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق