الهروب من القبو!!

[review]

الهروب من القبو!

كان القمر مكتملاً بذاته و يشعُّ نوراً يضئُ ذاك الدرب الذي سلكهُ يوسف المنهك ,حامل أوزار إخوته ونفسه ,يوسف الذي عانى من شدائد القبوالمعتم ذو الدرج المتهالك الذي كلما صعد منه درجه و جد نفسه في القاع يتخبط للصعود الى الكوةِ التى أمدته بالأمل كل تلك المدَّه,كان الجو رطباً و الهواء محملاً بنسيم البحر الهادئ الذي كان ليوسف حاملاً في طياته نور تلك الكوّه, مشى يوسف على الشطّ مستودعاً قبوهُ اللعين و تمدد عليه و كتب بإصبعه على حبات الرمل quot;احبكِ يا بلدي ولكن حظيت بحصتي من التعب و الشقاء بلا مقابل!!quot; , وقف و كلّه أمل بحياةٍ أفضل و نظر باتجاه تلك الباخره اللتي ستنطلق به الى بلادٍ لايعلم عنها سوى ما سمع من أصدقائه , اتجه الى البحر و لامست المياه أصابع رجليه, اقشعر بدنه! و تراجع خطوه , ثم دخل بخطوتين فزادت القشعريره و لكنه كان قد حزم أمره و توكل, كان قد حرص على أن يغلق عيناه لكي لاتحرقه حبات الرذاذ البحري المحمله بالملح, ولكن جفونه خذلته و عندما فتح عيناه تفاجأ بتلك الموجة العاتيه اللتي ارتطمت به كجبلعائم , ولكنه تقدم و تقدم حتى ارتفعت قدماه عن الارض و أصبح يسبح و يقاوم تلك الامواج اللتى تقذف به يميناً وشملاً ولكن هيهات أمام تلك الموجه الضخمه اللتى لاترحم و لا ترأف بأي كان, و ما كانت إلا ثوان حتى أصبحت أمامه و اصدمت به فغرق!!.

الساعةُ السادسه صباحاً, وقد علا صوت المنبه بجانب يوسف , الحمدلله لقد كان كابوساً ولكنه ليس أسوأ من الكابوس اللذي سأعيشه اليوم , كيف لي بأن اوفق بين عملي القديم و عملي الجديد يا رب ساعدني-قالها يوسف في نفسه- تجهز يوسف و انطلق متوجهاً الى الميناء الذي يعمل به, وهو في طريقه كان يفكر ماذا سيفعل اليوم هل سيسمح له المشرف بأن يقتطع ساعةً من دوامه لكي يذهب الى عمله الآخر في صالة الأفراح , هل سيتمكن من الذهاب الى السفاره التي تقدم اليها بطلب سفر الى بلادها أو بالأحرى هل سيسمحوا له , لقد تعب جداً من المحاولات الفاشله بالذهاب الى الخارج فهو قد طرق باب كل سفاره وجدت على أرض بلده!!,انتهت مسيرته المكلله بالأحلام التاره و بالهم تارةً اخرى,ودخل بوابة الميناء ليبدأ كابوسه اليومي

-يا يوسف , يوسف؟؟ توقف قليلاً.

– أهلاً محمد, كيف حالك؟؟

-إنني بخير, لم تقل لي ماذا حصل بموضوع السفاره؟؟

– يا صديقي لم يردني أي اتصال منهم, لقد تعبت من كثرة الإنتظار من دون جدوى, إنني كالمجنون أنتظر شيئاً لن يأتي!! إنني أفقد الأمل.

-هاهاها, لا تفقده يا صاح فإني عرفتُ طريقةً ستخرجك من هنا , ستواجه بعض الصعوبات ولكن تستحق المحاوله.

-أحلفك بالله بأن تخبرني, أرجوك فإني منهكٌ من هذا القبو اللعين الذي يحتجزني رغماً عني!!.

-حسناً, أتذكر خالد بائع السجائر؟؟

-نعم أذكره, و مابه؟؟

-خالد بائع السجائر يا صديقي مرضت أخته الصغيره و كان علاجها مكلفاً جداً , فغرق بالدين حتى عالجها, و رأى أنه من المستحيل بأن يسدد ديونه من عمله هنا!!,كان خالد يعرف عدداً من البحاره الذين دلّوه على طريقه ليخرج من هنا من دون عناء السفارات , خالد تقصى موعد إبحار الباخره و بالليل سبح إليها و تسلق سلسلة المرساه و تسلل الى السفينه و وصل الى بلاد الغرب وعمل, و هاهو قد سدد كل ديونه و هو ينوي بأن يرجع الى هنا و يفتح مشروعاً!!.

– مجنونةٌ هذه الفكره!!, لن أفعلها يا صاح , لن أخاطر فإن ذنب عائله معلقٌ برقبتي,إذا متُ أو ألقي القبضُ علي من سيطعم إخوتي؟؟

– لا أعلم, ولكنني أخبرتك و يبقى الأمر خيارأً بيدك.

-سأذهب الآن, فأنني تأخرت عن العمل, هنالك شحنه كبيره يجب علي أن أنزلها.

– سلامٌ لك يا صديقي فأنت كبيرٌ بعيني.

-لا كبيرٌ سوى ربي و ربك , سلام.

-لماذا تأخرت يا يوسف ,أنت تعلم أنه يوجد لدينا عملٌ كثير اليوم-قالها المشرف-

-أنا آسف سيدي, لن أتأخر مرةً اخرى.

-هيا اذهب الى عملك.

هم يوسف الى عمله و بدأ بنقل الأغراض , بدت تلك الأغراض كثيره جداً لا تنتهي , و الوقت بطيء و عقارب الساعة كسوله لاتحرك نفسها من شدة التعب,لقد أرهق الوقت يوسف, كان يوسف يحمل صندوقاً ثقيل و كبير الحجم,وبقسوةٍ من حظه المتآمر ضده انزلق الصندوق و تكسر ما بداخله!! , فرآه المشرف!!.

-أيها الغبي لماذا حملت الصندوق بنفسك؟؟!!.

– أنا آسف يا سيدي…

-أسفك لن ينفعني,و بكل برودة قلب و قسوه , اذهب فأنت مطرود..

– لا يا سيدي لا , فأنا أعيل أسرتي بأكملها, سأدفع ثمن ما كسرته.

– أنت مطرود,هيا اخرج.

-سامحك الله على ما فعلته بي …

كان يوسف قد تلقى طعنته الأولى, ومشى بمحاذاة البحر جريحاً ينزفالآهات و الآلام, جلس على صخرة كانت أطرى ماتلقاه اليوم من مشاعر جرحت جسده ونفسه, استل علبة السجائر و تلتها علبة كبريت, تناول واحده وأشعلها وأخذ ينفّس ما قد استنشقته نفسه من أوجاع, كانت سجائره منفسه الوحيد كانت متعته الخاصه كانت عطلته التي يستريح بها!!, حاول يوسف أن ينسى ما حصل و يمضِّي الوقت حتى يحين موعد عمله الثاني,فخطرت على باله أوسط همومه quot;حسناءquot; بنت الجيران التي كان يحبها ,كان يريد أن يخطبها فقد كان يخبئ بعضاً من ماله لكي يتزوجها,فسرح بخياله و تذكر لحظاتٍ سرمديه في تلاقيهما كانت عيونهما تلتقي كلما مر بباب بيتها , كلما رآها في الشارع, كان البريق اللماع يظهر في العيون المتلاقيه,وما أسرع الوقت في الذكريات الجميله , اصبحت الساعه السابعه في المساء عندما رن هاتف يوسف.

-مرحباً…

-يوسف يجب أن تأتي الآن الى الصاله, يجب أن نبدأ بالتجهيزات للفرح.

– سأتي حالاً.

انطلق يوسف مسرعاً إلى الصاله و كله أمل جديد أشعره بتحسن,استقل سيارة أجره وذهب.

دخل يوسف الى الصاله و بدل ملابسه وارتدى ملابس العمل , قميصٌ أبيض و بنطالٌ أسود, تذكر يوسف أمه عندما رأته يجرب الملابس في المنزل وقالت له-يا ولدي متى يحين ذاك اليوم وأراك فيه عريس!.

-إن شاء الله يا أمي عند انفراج الأحوال أريدك أن تذهبي إلى دار أبو حسناء و تخطبيها لي.

– فردت و الدمع بعينيها-لا أطيق الوقت حتى يأتي الفرج…

– أراك سارحٌ بخيالك!! هيا هيا لدينا عمل-قالها مشرف الصاله-

– تباً لك أنت الآخر, أتريد أن تطردني أيضاً-يوسف في نفسه-

– حاضر سيدي , سألحق بالشباب.

لحقهم يوسف و بدأ بتجهيز الطاولات, و نظف الأرض ثم ذهب المطبخ و انتظر دخول الناس لكي يوزع الطعام.

-الشباب يقولون أن العروس جميله جداً-جميل الطباخ-

– هنيئاً لهم, سأكون يوماً ما أنا وحسناء في هذه الصاله…

– هاهاها, يا بني مثلي ومثلك لن يكونوا هنا ولو حصل المستحيل!!

-ولما لا؟؟

-إنها صاله فخمه ذات أسعار مرتفعه, لن تستطيع تحمل التكاليف, وعلى كل حال دع الأحلام جانباً وابدأ بتوزيع الطعام.

-و بنظرة سخريه و تشاؤم قال يوسف-حسناً سيدي الطباخ!

خرج يوسف الى الصاله وبدأ بتوزيع الطعام و لم يبد أي اهتمام بالنظر الى العروس أو الحاضرين, فذهب بصينيه فارغه و عاد بأخرى مليئه,هكذا حتى تلاقت العيون مرةً أخرى ,عيون يوسف بحسناء العروس,وكأن الزمان والمكان قتلا بطعنة سكين اخترقت جسد يوسف, كان موقفاً لا يفسر ولا يعرف له معنى يوصف!!, دمعت عيون حسناء و سال على خديها والكحل الاسود!,وقعت صينية يوسف ,ولم يرى مخرجاً من ذاك الموقف سوى الهروب,فكانت الطعنه الثانيه.

-تلاشت الاحلام, تلاشى المستقبل, اللعنة عليك يا قبوي ,أقسم بأني سأخرج سأخرج…

أخرج يوسف هاتفه و اتصل بمحمد وسأله عن موعد إبحار السفينه و كيف سيدخل إليها,فقال له إنها ستبحر مع فجر الشمس اليوم, فذهب يوسف مسرعاً الى داره , دخل بخلسه, وضب حقيبه صغيره وأخذ القليل من الطعام, تفقد إخوته وأمه, وجدهم نيام,فارتاح قليلاً ولكنه أراد أن يطمئن أمه فكتب لها رساله , وقال : أنا ذاهب خارج هذه البلاد لكي أجمع المال ,سأرسل المال كل حين يا أمي , أرجوك سامحيني أنا آسف ولكني حظيت كفايتي من قبوي اللعين,رضاك يا أمي…

تركها بجانب سريرها ,وكله ألم الفراق الموجع,خرج من المنزل و نظر اليه نظرة الفراق القاتله, وتوجه الى البحر.

كان القمر مكتملاً بذاته و يشع نوراً!! كان الجو رطباً والهواء محمل بنسيم البحر!! وجلس يوسف على الشط و كتب بإصبعهquot; أحبكِ يا بلدي ولكن حظيت بحصتي من التعب و الشقاء بلا مقابلquot;!!! وقف يوسف و قد حزم أمره لا رجعه , فدخل الى الماء بخطوه متردده بعض الشيء , لامست قدماء الماء ,أحس بالقشعريره فتراجع!,ثم رجع بخطوتين الى الماء وهكذا حتى أصبح يسبح في الماء, و كلما تقدم علا الموج , وكلما تقدم أصبح يتذكر بأنه قد حصل له هذا من قبل!! ثم تذكر الكابوس الذي رآه , فقرر أن يرجع, التف الى الخلف و إلا بتلك الموجه العاتيه تداهمه من الخلف و تصطدم به و تغرقه!!!.

يوسف لم يمت!! استيقظ يوسف على الشط و الشمس تقدح بعينيه , فصحى و حمد الله انه لم يمت, فتذكر الرساله , وتوجه مسرعاً الي منزله و دخله فوجد أمه تبكي, فتوجه إليها و قبل يدها, اتتركنا يا يوسف-قالتها وكانت تبكي- , لا يا أمي أنها اشارةٌ من الله , لن أترككم بحياتي , أنا آسف سامحيني يا أمي, ثم ذهب يوسف الى غرفته و صلى لله , ورجع الى قبوّه ولكنه قرر أن يبني درجه من جديد و يخرج عبره الى الحياه…

تمت.

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق