الموت والعلب الفارغة

الموت والعلب الفارغة
جمال الدويري

هل حان الوقت لنقرأ الفاتحة علينا, وربما نضرع بالدعاء لنا, لآخرة اكثر رحمة من حياة نقضيها بين هم وغم وخوف وجزع ولهاث من اجل لقمة تنقصها الكرامة, وحبة اسبرين على رأس طابور لا ينتهي, يشكل وجعا وصداعا ما عادت الأسبرينة كافية للجمه او التخفيف منه, وطموح تعليم الأبناء والبنات, حتى ولو لن يكن لهم نصيبا في سوق العمل والشللية, هذا الطموح الذي ربما ليس مشروعا للحراثين وأبنائهم ومن حمل جيناتهم, على قارعة الفقر الأردنية, حياة نقضيها بين السخمطة والسخمطة, بين البأس واليأس, حياة بين ما لا يكفي للحياة, وما لا يسد رمق الموت.
يقرأ المكتوب من عنوانه, ولا مفاجئة بأن تدركنا المنية, على قارعة اللانسانية وخارج حدود المواطنة الرحيمة, الى جانب شوال ملئء بفوارغ المشروبات الغازية, وحيث اعتقدنا اننا قد بلغنا المأمول ونلنا الأرب, فالكيس مملوء بها, والمشتري قريب وطريق فرن الخبز ليست بالبعيدة, بعد ان نعقد الصفقة ونجني ثمن اليوم والعرق.
عفوا…ليس كل الأردنيين ممن ينتظرون غيرهم ليفرغ علبة مشروبه, ليسبق غيره عليها كي يشتري ببدلها ما يروي ظمأه ويسد رمق زغب الحواصل ممن ينتظرونه مساء على احر من لقمة مغموسة بنسغ الروح التي تذوب رويدا رويدا والجسد الذي يضمحل على وجع ومعاناة, والنفس التي لا تدرك ماهيتها,
ولكننا لسنا فارغين جميعا, ولسنا جميعا ممن يحبون فوارغ المشروبات, ولسنا جميعا ممن يدركون نظريات وقياسات الفراغ الحسي, النفسي او الروحي, فمنا ايضا من امتلأ كرشه, ونعُم فرشه, ولم خفق لفجائعنا رمشه, الفاسدون السارقون الناهبون المتسلقون المدلسون الطافحة عروقهم بدم المسخمطين التائهين بين الموت والحياة,
نعم…هؤلاء ايضا منا وبيننا, وبين هؤلاء وهؤلاء, من ينتظر, ليقضي بين غصة وضحاها, وبين شهقة الم وأخرى, همهم الأوحد وطموحهم الأكبر, ان يتوفقون بملء شوالهم بالعلب الفارغة, ليستطيعوا الاحتفال مساء مع صغارهم بالعشاء الأخير, على ضوء أمل ان يكون الناس بالغد اكثر عطشا واستهلاكا للغازيات.
والفرق شاسع بين اصحاب الكروش الممتلئة طفاسة وجشعا وسحتا, وبين تلك الأشباح التي تحمل الأشولة الممتلئة او تكاد, بفوارغ علب المشروبات التي قد تربح معركة النهار مع الجوع والعطش.
يا ابن الخطاب, أطفالكم كانوا يطبخون الحصى لخاتلون الجوع ويصبرون الأمعاء, وأطفالنا ايها الفاروق, يقضون وقتهم بالضراعة لله, ان يرحم رب اسرتهم وينعم عليه بالعودة حيا ولو دون خبز.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق