
#المجتمع_المادي: #الإنتاج_المفرط.. #القوة.. و #آلة_الهيمنة.. و #نبؤات_الانهيار_القادم
كتب … د. #عبدالرزاق_بني_هاني ود. #عبدالحكيم_الحسبان
المجتمع المادي ليس مجرد مجتمع يثمّن الرفاه المادي، أو يُفاخر بالتقدم التكنولوجي، أو يسعى إلى النمو الاقتصادي. ففي أكثر مراحله نضجاً وخطورة، هو مجتمعٌ منظَّم حول الإنتاج المفرط والاستهلاك المفرط، ومدعومٌ بأيديولوجيا القوة والعسكرة والسيطرة على الموارد العالمية. وهو مجتمعٌ لا يكتفي بإنتاج السلع، بل يُنتج الحاجات ذاتها. ولا يستهلك الموارد فحسب، بل يستنزفها. ولا يستخدم القوة العسكرية للدفاع، بل يحوّلها إلى ضرورة بنيوية للحفاظ على نمط عيشه.
وهذا الشكل من المادية ليس طارئاً ولا عرضياً، بل هو نتاج تاريخي وفلسفي وبنيوي، يظهر حين تُستبدل الأخلاق بالمنطق الاقتصادي، وحين تحلّ القوة محل المعنى، وحين تُطبَّع الهيمنة بوصفها أمناً أو استقراراً أو تقدماً. وهذه الفلسفة هي ما يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الموغل بماديته. وهي ظاهرة تحدث عنها كارل ماركس في منتصف القرن التاسع عشر، وابتكر لها مُصطلحاً، ترجمته في لسان العرب الاقتصادي إلى ” شهوانية سِلَعية ” (Commodity Fetishism).
ميّزت الفلسفة الكلاسيكية، من أرسطو إلى توما الأكويني، بين الاقتناء الضروري والتراكم غير المحدود. فقد حذّر أرسطو من أن فنّ تكديس الثروة لذاتها (الخريماطيقا Chrematistics)، أي فن اكتساب المال لذاته، وهو انحراف عن جوهر الاقتصاد، الذي يفترض، وحسب وصف أرسطو نفسه، أن يخدم الحياة الطيبة (اليوديمونيا Eudaimonia) لا أن يحلّ محلها. فالثروة، عند أرسطو، وسيلة لا غاية؛ وحين تصبح غاية بذاتها، يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية.
والمجتمع المادي الحديث يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. فالإنتاج والاستهلاك لم يعودا أدوات لخدمة ازدهار الإنسان، بل تحوّل الإنسان نفسه إلى أداة في منظومة الإنتاج والاستهلاك. فلم تعد قيمة الفرد تُقاس بالفضيلة أو الحكمة أو الإسهام في الصالح العام، بل بالقوة الشرائية، والإنتاجية، ومدى الامتثال لمنطق السوق.
لقد أسهمت عقلانية عصر التنوير، حين جُرِّدت من أساسها الأخلاقي، في تسريع هذا التحوّل. فمقولة فرانسيس بيكون الشهيرة المعرفة قوة أُعيد تأويلها لا باعتبارها قوة على الجهل، بل قوة على الطبيعة، ثم على البشر أنفسهم. وأصبحت الطبيعة مادة خام، والشعوب المُستعمَرة مُدخلات عمل، وقارات بأكملها خزانات موارد.
وقد وصف الفيلسوف والمفكر الألماني ماكس فيبر (Max Wiber) هذا الوضع لاحقاً بـ القفص الحديدي للعقلنة (Iron Cage of Rationalism)، أي نظام تهيمن عليه الكفاءة والحساب والسيطرة، بينما تذوي المعنى والروح والتأمل الأخلاقي. فالمجتمع المادي، حسب رأيه، عقلاني، لكنه ليس حكيماً.
في قلب المجتمع المادي تكمن حالة فائض الإنتاج، حيث يُنتَج ما يفوق بكثير حاجات البقاء والكرامة الإنسانية. غير أن فائض الإنتاج لا يمكن أن يستمر من دون فائض في الاستهلاك. ولحل هذا التناقض، يلجأ النظام إلى اختراع الرغبة.
والإعلان، والعلامات التجارية، والتقادم المُبرمج، والهندسة الثقافية ليست ظواهر هامشية في الرأسمالية، بل ضرورات بنيوية. فالمجتمع الذي يُنتج بلا حدود، لا بد أن يُنتج عدم الرضا بلا حدود. ويصبح الاكتفاء خطراً، والرضا فعلاً تخريبياً.
ومن الناحية التاريخية، تعمّق هذا المنطق بعد الثورة الصناعية. فما بدأ كتغيّر تقني تحوّل إلى تحوّل ثقافي شامل. فالمصنع لم يغيّر طريقة الإنتاج فحسب، بل غيّر فهم الإنسان للزمن والقيمة والذات. وأصبح الفراغ مدعاة للذنب، والبطء علامة على العجز، والتأمل فعلًا غير منتج.
وفي القرن العشرين، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، أتقنت المجتمعات المادية، بخاصةٍ في الغرب الصناعي، هذه الحلقة المغلقة؛ ومفادها إنتاج أكثر يؤدي إلى استهلاك أكثر، ثم استخراج أكثر، فهيمنة أكثر.
وقد قُدّم الاستهلاك بوصفه حرية، وحلّ الاختيار بين السلع محل المشاركة في القرار الأخلاقي والسياسي. وهكذا تحوّل المواطن تدريجياً إلى مستهلك، واختُزلت الديمقراطية إلى إدارة تفضيلات (Preference Management).
يواجه المجتمع المنظَّم حول الإنتاج المفرط معضلة ندرة الموارد. فلا تفاؤل تكنولوجي يمكنه تجاوز حقيقة أن الأرض والماء والمعادن والطاقة والعمل موارد محدودة. وعندما يتجاوز الاستهلاك قدرة الطبيعة على التجدد، تدخل القوة القسرية إلى المعادلة. وهنا تصبح العسكرة عنصراً مركزياً لا هامشياً. ولم تتوسع الإمبراطوريات، تاريخياً، لأن طبيعتها عنيفة، بل لأن بُنيتها الاقتصادية كانت تتطلب التوسع. فمن الإمبراطورية الرومانية إلى القوى الاستعمارية الأوروبية، ثم إلى القوى الصناعية الكبرى الحديثة، أدّت العسكرة وظيفة ضمان الوصول إلى الموارد.
وفي المجتمع المادي المعاصر، نادراً ما تُعلن الحروب بلغة الغزو الصريح. بل يُعاد تأطيرها بوصفها حماية للأمن القومي، ودفاعاً عن الحرية، وحفظاً للاستقرار، ثم مكافحة للإرهاب. وقد تفوقت الصهيونية وشهوة الهيمنة، لدى المُجمع الصناعي العسكري الأمريكي، في توظيف هذه المُصطلحات لخدمة أغراضها المادية. غير أن النمط المتكرر يكشف جوهراً ثابتاً، يكمن في السيطرة على النفط والغاز، وطرق التجارة، والمعادن النادرة، والأراضي الزراعية، والمواقع الجيوسياسية.
وقد حذّر الرئيس الأمريكي الراحل دوايت أيزنهاور، وهو ذو خلفية عسكرية، من مخاطر أهداف المجمّع الصناعي العسكري، بقوله ضمنياً بأن هذا المجمّع ليس انحرافاً، بل امتداداً منطقياً لنظام يحوّل القدرة الإنتاجية إلى نفوذ سياسي. فالسلاح يجب أن يُنتَج لتبرير المصانع، والصراع يجب أن يستمر لتبرير السلاح، والخوف يجب أن يُغذّى لتبرير الاثنين معاً. وهكذا تتحول العسكرة إلى اقتصاد مكتفٍ بذاته، وهو اقتصاد تدمير يُغذّي اقتصاد إنتاج.
لا يعيش المجتمع المادي في فراغ. فبقاؤه مشروط بوجود لا مساواة بنيوية بين الأمم. فالعمالة الرخيصة، والموارد المُستخرَجة، والأسواق التابعة ليست نتائج جانبية مؤسفة للعولمة، بل أساسها الصلب.
وقد كرّس الاستعمار الكلاسيكي هذه الهرمية عبر الاحتلال المباشر. وحين أصبح الاستعمار مكلفاً سياسياً، جرى استبداله بآليات أكثر نعومة؛ تتلخص في ما يأتي: التبعية عبر الدَّين، واتفاقيات تجارية مختلّة، والسيطرة على المؤسسات المالية الدولية، والعقوبات والحروب الاقتصادية، وعمليات تغيير الأنظمة. وهو ما أتقنته الولايات المُتحدة وبريطانيا، على وجه الخصوص. وقد وسِمَت الدول التي ترفض هذا النظام بأنها دول مارقة، أو فاشلة، أو مهدِّدة للأمن العالمي. وقد تتبدّل اللغة، لكن المنطق واحد: من لا يخضع، يجب تأديبه.
وُجَسد هذا الواقع ما وصفه العالم إيمانويل والرشتاين بـ بنية النظام العالمي، وصنفها إلى دول مركز تستهلك، ودول أطراف تستخرج، وشبه الأطراف تدير عدم الاستقرار. ويجلس المجتمع المادي في المركز، مقدّماً هيمنته بوصفها قدراً تاريخياً لا خياراً سياسياً.
لهذا النظام كلفة داخلية، لا تقل فداحة عن عنفه الخارجي. فالمجتمع المهووس بالتراكم المادي يعاني من تفكك الروابط الاجتماعية، وتسليع العلاقات الإنسانية، واغتراباً نفسياً عميقاً، وفراغاً روحياً يُغطّى بالترفيه. وحين يصبح لكل شيء ثمن، يفقد كل شيء قيمته الجوهرية. وتتحوّل التربية إلى تدريب وظيفي، والفن إلى محتوى، والأخبار إلى عرض، والأخلاق إلى علامة تجارية.
ولو دققنا في ما حذّر منه الفيلسوف فريدريك نيتشه، ووصفه هذه الحالة بالعدمية، وهي اللحظة التي يفقد فيها المجتمع إيمانه بأية قيمة أعلى من الراحة والسيطرة. ويتجنب المجتمع المادي مواجهة هذا الفراغ عبر تسريع الاستهلاك وتكثيف الإلهاء. ويصبح الصمت خطراً، ويغدو التأمل فعلاً مقلقاً.
يُظهر التاريخ أن هذه المجتمعات لا تنهار بسبب النقد الأخلاقي وحده، بل لأن تناقضاتها تصبح غير قابلة للإدارة. ففائض الإنتاج يقود إلى الانهيار البيئي، والعسكرة إلى صراعات لا تنتهي، واللامساواة إلى التفكك الداخلي. وقد استنزفت الإمبراطورية الرومانية أقاليمها، وأفلست الإمبراطوريات الأوروبية تحت وطأة الحروب. وكشفت حروب القرن العشرين المنطق الانتحاري للتعبئة الشاملة.
واليوم، يواجه المجتمع المادي على نطاق عالمي مأزقاً مشابهاً. فالأزمة المناخية، ونضوب الموارد، وعدم الاستقرار الجيوسياسي ليست تهديدات خارجية، بل نتائج بنيوية مباشرة.
إن نقد المجتمع المادي لا يعني رفض التكنولوجيا أو الرفاه أو التقدم، بل رفض تحويل الفائض إلى عقيدة والقوة إلى غاية. فالحضارة التي تقيس نجاحها بالإنتاج والاستهلاك والتفوق العسكري وحدها، تنتهي إلى تدمير الشروط التي تُمكّنها من البقاء. والتاريخ واضح في درسه. فالمجتمعات التي تُخضع الأخلاق للتراكم قد تهيمن على العالم زمناً، لكنها نادراً ما تفهم لماذا تنهار حين تتوقف الهيمنة عن كونها ممكنة.



