اللوكس ابو شنبر / جمال الدويري

اللوكس ابو شنبر

ذكرني منشور للصديق الأستاذ حيدر حجازين، باللوكس والشنبر، وقد اعادنا الى زمن جميل مضى، لم تكن الكهرباء الساقطة من الأعمدة والأسلاك، ولا مصباح اديسون، جزءا من حياتنا، ولا من همنا وفواتيرنا،
كان لهذا الأسلوب من انارة المكان، طقوسا وبروتوكولا، يضيء القلوب والأنفس والتعاليل الدافئة مع الأهل والضيوف من الأقارب والمعارف والجيران والصحبة الطيبة،
يابه…جهزلنا اللوكس، عندنا تعليلة. كانت كلمات ورسالة تكليف كريمة، يخصني بها الوالد الفاضل رحمه الله، تشعرني بالنشوة وبعض الأهمية، مع ثقل المسؤولية وحجم الواجب الملقى على عاتقي اليافع، كلمات لا تحتمل الخطأ، ولا العذر لسوء تنفيذ او تأخير،
انطلق للحظة والتو، الى زاوية في المنزل اعرفها، اعتدنا على خزن اللوكس بها، اخرجه بتؤدة، علني استطيع الاحتفاظ بالشنبر المستخدم لمرة سبقت، هذا الشنبر الحريري الحساس، لا يحتمل العنف، ولا يطيق هزة بدن، فيطيح من حركة واحدة غير منتبهة، مما كان سيضطرني، للركض الى اقرب دكانة في الحي، للسؤال عن شنبر جديد، ابلله بمادة السبيرتو، والبسه موضعه داخل اللوكس، اتأكد من ملاءة اللوكس بمادة الكاز، ثم اشرع بعملية الاضاءة، وما هي الا لحظات، وتتفتق عتمة المكان الزاحفة على اخر خيوط النهار، عن كم كبير من النور المحبوب المنتظر.
وأينما كان يتواجد الوالد الفاضل، رحمه الله، في اركان المنزل، كانت كلماته المشجعة الفرحة، تأتيتي بالدعم: عفيه ابوي…نشمي. فأنتشي من جديد، وأرتاح بالنجاح بالمهمة الموكلة اليّ. ثم احمل اللوكس من علّاقته، واسير به بحرص شديد…دادي دادي، حتى احافظ على شنبره الملتهب، لأموضعه في زاوية الديوان شتاء، او العريشة صيفا، ثم انتظر مع المنتظرين، طقوس التعليلة الأجمل، غرانيق القهوة ومنقلها، وابريق الشاي ابو ميّة، والهريسة والراحة والبسكوت والفواكه الموسمية، وحسب تصنيف التعليلة وأهدافها، الدروس والعبر التي نستفيد منها وتراكم التجارب والخبرة وحكمة الرجال التناتيح وجدوى تعليلتهم.
كم اشتهي تلك الحقبة والأمكنة وأحداثها وأشيائها، اللوكس والشنبر وتفاصيل تفاصيلها المزركشة بالاحلام الشابة والمعايشات الجميلة. كم اشتاقها وأتوق اليها، واسترجع بين الحين والاخر شريطها الغائر في اعماق الوجدان وجدران الذاكرة، انفض عنها غبار الزمن وتراكم الزيف الحديث. وليت اللوكس قد ظل اهم اشياءنا، وشنبره اكبر اهتماماتنا وموضع حرصنا ومن اغلى املاكنا وأكثرها ضرورة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق