القنولوجيا / شبلي العجارمة

القنولوجيا
لا أردني ولا عربي يستطيع إنکار ظاهرة وجود القنوة في سيارته ، وکثيراً ما نشاهد أنّ بعض السياراتّ تحتوي علی قنوتين أو أکثر ،واحدة تحت کرسي الساٸق وواحدة في طمبون السيارة الخلفي وأخری في البيت، لدرجة أنّ وجودها يعتبر أهم من إطار الإحتياط”السبير” وأهم من الجك والزرادية والمفك وربما أهم من طفاية الحريق والرخصة والتأمين، حتی أصبحت القنوة أهم من کل الإضافات والکماليات في السيارة،وربما صارت القنوة من شروط البيع والشراء للسيارات، حتی أصبح تراجع الحرکة علی الإقبال علی شراء وبيع المرکبات بسبب التراجع بإنتاج المزيد من القناوي لعجز القدرة الإنتاجية لصناعة العصي والقناوي والغرامات الباهضة علی قطع الأشجار الحرجية وإعادة تدويرها من کونها مجرد أشجار لا ظلال لها ولا ثمر إلی شکل جديدٌ کقناوي تغذي العنف وکسلاح رخيص الثمن ولا يحتاج لعتاد وفي متناول الجميع وکذلك کونها تشعر راکب السيارة بالثقة والأمان الأکبر أثناء القيادة أو حدوث مشاجرة فجاٸية بسبب الزامور الاستفزازي الخلفي أو التأخر علی الإشارة أثناء اخضرارها.
حتی أنّ سيارات بعض الفتيات والنساء لم تخلو ولم تسلم من ظاهرة القنوة ، فالقنوة استشرت وطغت علی مرکباتنا وبيوتنا لدرجة أنّ کل وساٸل الرفاه التي ابتکرها مصمموا السيارات والشرکات العالمية الصانعة لإشعارنا بالأمان والراحة والطمأنينة لم تغننا عن استخدام أو حيازة القنوة أو الطموح باقتناٸها ، لدرجة أنّ أحد الأشخاص رأی قنوة في سيارة صديقه فأعجبته فقال ”نفسي بهالقنوة احطها بسيارتي“ فقال له صديقه” والله ما تنعز عليك بس اعطيني قنوة سيارتك القديمة من باب الاحتياط“، وحتی أنّ أحدهم قام ببيع سيارته واشترط علی الشاري بأن البيعة لا تشمل القنوة وحين سأله الشاري عن السبب، قال الباٸع” هاي هدية وذکری من رحمة أبوي کانت بسيارته لمن توفي“.

سياراتنا وجيوبنا تخلوا من دفتر صغير وقلم رخيص ،في حين أنه من باب الضروارات والعرف والتقليد والعيب أنّ لا تکون سيارانا بلا قناوي ولا تخلوا منها حتی بتنا نتفنن بأحجامها ونتفاخر بأشکالها ونوع الخشب والشجر المصنوعة منه، لدرجة أنّ بعضنا تفنن بتزيينها بطلاٸها وزخرفتها وغرس الدبابيس الملونة في رأسها وإضافة خيط أو جلد کحزام أمان في مقبضها کي لا تسقط من أيدينا خلال المشاجرة وحتی لا يتم استيلاء الخصوم عليها حتی لا تکون معرة علينا ونکتة سوداء ووصمة عار في مسيرتنا القناوجية.
فلان الله يرحمه کان قناوجي هي صفة للقوة وضرب لفرط الشجاعة وقوة القلب ، وفلان ما کان يجي إلا بالقنوة أيضا وصف لحال الخصم الذي لا تطوعه إلا القنوة أو الدبسة بلغة الفلاحين ، حتی أنّ بعض الأغاني الشعبية في زفات العرسان کانت تتغنی بالقنوة أثناء الفرح وزفة العريس” يا محلی ضرب القناوي ، فوق الراس تحتّ الکلاوي“.
القنوة باتت أکثر من لغة وأکبر من ظاهرة ، صارت خرافة وفاصلة مهمة في حياة شعوبنا العربية برغم أنّ بعض القناوي أکلها السوس ودابة الأرض ولم تخرج من السيارة ، وهنالك حالات کثيرة انهزم أصحاب القناوي وترکوها ولم يستطيعوا أو يجرٶوا علی سحبها أو التلويح بها.
القنولوجيا باعتقادي هو مصطلح يليق بناء کشعوب عربية علی وجه العموم وأردنيين علی وجه الخصوص لأننا هزمنا واستغنينا بهذا المصطلح عن کل مقومات الرخاء والابتکارات وأرقی التصاميم للمرکبات الحديثة لکننا لم نستغن لهذه اللحظة عن القنوة التي طورناها بأشکالها ومفاهيمها ووجودها الشکلي والضمني ولم نتخلی عن قناعاتنا الرجعية لقنوجياتنا ،بينما استرعاني مشهد أحدهم وهو يشتري دزينة أقلام رصاص لأبناٸه وهو يبحث عن أرخص نوع بينما حين استفزه أحد الأشخاص أمام المکتبة قال لابنه” ناولني القنوة الثانية اللي بالطمبون الخلفي الکبيرة والأصلية لأنه القنوة الي قدام زغيرة ورخيصة ومنظر عالفاضي وما توجع“.
في الوقت الذي نبحث فيه عن قنوة أصلية توجع خصومنا الداخليين والتقليديين من بني جلدتنا فإننا نبحث عن قلم رصاص من أرخص الأنواع لنسلح به أطفالنا من باب الاحتياج وسد الذراٸع ولا نفکر بمقدار الألم الذي يسببه هذا القلم لکل المتآمرين علينا وعلی خبزنا وعيشنا ومقدار الشفاء الذي يسببه لکل الجوعی والعطاشی للمبادیء وللحرية والأمل.
القلم والقنوة قد تصنع من شجرة واحدة لکن أحدها سينتصر علی الآخر في يومٍ ما في لحطةٍ ما في معرکةٍ ما.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق