القرشي وحمادة يغوصان في العمق الانساني عبر قصصهما في “الصحفيين”

سواليف

أحيا القاصان عبد الكريم حمادة وإنعام القرشي أمسية قصصية في نقابة الصحفيين بتنظيم من اللجنة الثقافية فيها وبالتعاون مع فريق مسايا النرجس للنشاطات الثقافية والاجتماعية، قرءا خلالها عددا من قصصهم الاجتماعية المنوعة، بمشاركة الناقد زياد صلاح الذي تحدث عن تجربة كل من القاصين.
وشارك رئيس اللجنة الثقافية محمود الداوود بقراءة قصص قصيرة جدا ضمن فعاليات الأمسية.

وقرأت إنعام القرشي عدة قصص منها قصة “هذه قصتي” التي تقول فيها :

صديقة البحر أهذه هزيمتي الثانية؟ اعترف بأنني أخطأت مرةً أخرى. كيف خطر لي أن اُصدق بأن الحكمة َ تكمنُ في تصرفاتِ مجنون؟! أنا في مأزقِ كبير. كانت الموجاتُ تأتي تباعاً، مخيفةً، ثم تهدأ في سكون عجيب حال وصولها إلى حضن الشاطئ. أسرعت، فرفعتني الموجة فوقها تماماً. وقفت فوق مزلاجي، وثبّتُ قدميّ، ثم قفزتُ في قلب الموجة حتى تمكّنت منها. أصابني الهلع، لكنني طردته بالفرح، وعرفت في تلك اللحظات لماذا ترقصَ الموجة. رقصت معها كطائر نورس يحلق في السماء بحرية. اخطف صرخات كل من يراقبني، غير مكترثة بهدير الموج من فوقي. الأمس أياد تلوّح لي.. وكانت كثيرة.. كثيرة جداً… ربما فزت ، لست ادري هل انتصرت أم كانت هزيمتي الثانية ؟ أم أن هذا محض سراب؟ زبد بحر سرعان ما يختفي..! أسئلة تتلاطم في ذهني كالموجات المتعاقبة. وقفت في حيرة، مبللة ورذاذ البحر يداعب وجهي ..! ماذا افعل..؟ من أين ابدأ؟ شعور غريب يرتب لي الكلمات فوق رمل الشاطئ كي لا أنسى ما حققت من أحلامي…! حملت مزلاجي ومشيت فوقها ، وأحسست أني أعانق كل الأشياء من حولي أتلفت، ابحث عن عينيه خلف المعنى.. هناك،، في زبد البحر… فلربما تحولت عيناه إلى عينيّ سمكة غفت فسقطت في شباك صنارة صياد ماهر يغني للبحر الهادر… كان هناك، يقف على الشاطئ، أبصر في عينيه بحر هادئ.

وقرأ عبد الكريم حمادة قصصًا متنوعة منها قصة “الغابة” قال فيها:

من فوقِ بقعة الدم الممتدّة راح نباتٌ قبيح يطلُّ برأسِهِ .. سنوات كثيرة و ثقيلة تساقطت فتحوّل المكان إلى غابة گبيرة و مرتعاً للصيّادين و الحطّابين .. بمزيد من قطع الحرب يلقم السيّد الثري مدفأة الرخام .. _ لهذا الحطب رائحة كريهة و غريبة ، شيئاً ما ، ولكنه في النهاية حطب جيّد . قال لنفسه قبل أن يعود للاسترخاء في مقعده و تناول المزيد من الكستناء و النبيذ الأحمر .. الطائر الجميل في القفص داهمته رائحة الحطب الّتي يعرفها تماماً فبدأ يسگب لحناً حزيناً .. العاهر الَّتي غفت أيقظها سعال الثري فقامت تتحسّس جسدها العاري _ أشعر بشيء من البرد .. قالت و توجّهت إلى المدفأة ، ألقمتها المزيد من الحطب الّذي ذگرها للحظات بأصل أبيها الحطّاب .. تتوهّج النار بِعنف ، فيحوّل الدفء برود العاهر إلى نشوة دفعتها للنهوض و الترنّح في أرجاء الصالة بما يشيه الرقص .. تتوقّف فجأة … يهيئ لها النبيذ أنّ المدفأة قد گبرت ، كبرت كثيراً و بداخلها وحش من نار يمدّ اذرعه الطويلة ، يحاول الامساك بها و ابتلاعها .. تشهق فزعاً و تسقط من يدها الكأس ، تتشظى تاركة للنبيذ أن ينثر احمراره من حولها و على ساقيها .. _ المدفأة .. المدفأة .. تصرخ بتلعثم ، يسرع الثري نحوها ، يتصلّب هو الآخر بجانبها خلف نافذة القصر الواسعة غير آبه بشظايا الكأس الّتي غرست أنيابها في قدميه لتگمل لوحتها الحمراء .. تستمر العاهر في هذيانها : المدفأة… المدفأة _ يصرخ هو بهلع : إنها الغابة من حولنا تحترق .. من فوق بقطة الرماد شديدة السواد و الاتّساع راح ثانية يطل برأسه نبات قبيح .. قبيح .
ثم عقب الناقد زياد صلاح على قصص إنعام قائلًا:

هنالك صورة بلا حركة.. ولكن.. ليس هنالك حركة بلا صورة.

هذه هي ( المعادلة الأدبية ) التي أعتقد بأن الكاتبة “إنعام القرشي”تدبّر أمر نصوصها القصصية من خلالها، وبمقتضاها. انطلاقاً من أطروحة “برغسون” حول علاقة الحركة بالمكان، واتفاقاُ مع أطروحته الأخرى الأشد تعقيداً حول علاقة الحركة بالزمن.

إنّ “القاصة القرشي”تمعن في اصطياد أسماك المشاهد الذهبية بشبكةٍ لغويةٍ محكمة، كما تفعل باللقطات النادرة بعدسة كاميرتها الجوالة.. وبلا كلل ولا ملل.
بمعنى: أن اللقطة المختارة بالنسبة لها، سرعان ما تتحول إلى صورةٍ إجبارية لسواها. وقد تكون بالنسبة للآخرين تذكارية، أما هي، فتعدّها نافذةً مشرعةً على المستقبل.

على أي حال، جميع المشتغلين بالأدب يفعلون ذلك بشكلٍ أو بآخر.

لكنها تقوم بهذا العمل الإبداعي، كمصورةٍ بارعةٍ تتقن حرفة التنصّل من الأدوات الفنية السائدة، والأساليب الكتابية الجامدة.وهي تعلن حربها الذاتية الباردة على كل ما يمكن أن يستقرّ في الأذهان من صورٍ قديمة تعيد إنتاج ذاتها بتكرار واجترار، وبطريقة أكثر من بائسة.
ثم عقب عل قصص عبد الكريم حمادة بقوله:

القاص “عبد الكريم حمادة” صوتٌ هادئ كخرير الجدول الصغير…ولكن !!
مع كل إيقاعٍ فيه،ينحني المغزى ليقبّل رأسَ أمّه النظريّة التي أنجبته في سريرٍ الأثير.
إنه صوتٌ يشبه صاحبه.. ويعبّر عن نفسه بثقةٍ مستوحاةٍ من خارج الاستعارات،وهو يطلّ مشرقاً على لغة القص.. من شرفة النص.
في القصة الأولى، التي كنت أتمنى شخصياً أن تحمل عنوان : ( غابةٌ سوداء ).. هنالك فكرةٌ تحوّلت بمهارةٍ إلى صورة.
وهنالك حربٌ حقيقيةٌ على الأبواب.. وحبٌ مصطنعٌ معلّقٌ في صدورٍ معتمة.
وصراعٌ طبقيّ.. وأصولٌ على شكل جذور.. وفروع كالضلوع.
وهنالك “وحشٌ من نارٌ” يصادرُ رغبةَ امرأةٍ في تكون غيرَها.. ويمسكُ بقالبٍ من ثلجٍ غير مرئي، دون أن يذوب في نهاية السرد.
إنها المراوغة الفنية التي يجرّب الكاتبُ بمهارةٍ فائقة أن يحرّر إحساسنا بها، كي لا نكون عرضةً للوقوع تحت طائلة المسؤولية الأدبية، وفوق كلّ اعتبار.
والكاتب يرى العالم بعينين متحولتين.. تتناسل فيهما الصور والمشاهد إلى ما بعد الصفحة الأخيرة في كل كتاب يخرج من بين يديه.
من اليسير علينا أن نُسقط مجرياتِ وشخوصَ هذه القصة على مضانها الأصلية في واقع الحال.. غير أن العسير في الأمر يظل في انتظارنا خارج الكلام.
أنفاس القاص وهي تتلاحق في فضاء النص..
أحلامه الوردية التي تفقد لونها بين السطور.
رؤيته الخاصة الماثلة في المعني الذي تعدو من ورائه الألفاظ.
وأحكامه القيمية المتوالية، التي تتدفق نابعةً من قلبه المتوقد..لتصب فيما يكتبه لنا، من أجل أن يجعلنا أكثر قدرةً على أن نكون نحن.
وقرا القاص محمود الداوود – مدير الندوة- عدة قصص قصيرة جدا منها قصة بعنوان “استخارة” قال فيها :
(أخذ يسير في مستوى الليل، كلما تعمق غاص فيه سابحا في مجهوله، حتى أدرك أنه يسير نحو عالم من الأفكار التائهة.
استسلم وأيقن أنه لو واصل مسيره لن يرى الفجر.. فاستخار ربه وأشهد عليه قرآن الفجر.. ونام).
13234632_550108675177289_1799885460_o

13235862_550108578510632_503785437_n

13235882_550108561843967_642144766_n

13235993_550108605177296_1229768992_n

13242123_550108641843959_394643498_o

13262187_550108625177294_462076219_o

13271618_550108671843956_1331848033_o

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق