الاصابات
314٬514
الوفيات
4٬145
الحالات الحرجة
162
عدد المتعافين
298٬868

الطباخ

الطباخ
مصطفى وهبي التل

لو سألت اليوم طفلا في حواري سانتياغو، عاصمة التشيلي، من هو فكتور كارا (Victor Jara)، قد لا يعطيك إجابة كاملة لكن بالتأكيد سيتذكر أن الملعب الذي يلعب فيه منتخب بلاده لكرة السلة، والذي يلعب فيه فريقه المحلي المفضل، اسمه ملعب فكتور كارا.

لو كررنا نفس السؤال لمن هو اكبر من هذا الطفل، فسيقول لك أن فكتور كارا بطل من أبطال التشيلي وهو شاعر وفنان وناشط سياسي قتل عام 1973 بعد الانقلاب العسكري ضد حكومة الليندي المنتخبة من قبل الشعب.

لكن، لو سألنا عدة أشخاص في سانتياغو من هو بيدرو نونيز (Pedro Nuñez) لما عرفت الغالبية من هو. هذا بالرغم من ارتباط بيدرو بفكتور!

بيدرو نونيز هو واحد من الضباط الذين كانت مهمتهم بعد الانقلاب العسكري عام 73 إعتقال الناشطين السياسيين وتجميعهم في ملعب التشيلي في سانتياغو. من ضمن المعتقلين كان فكتور كارا والذي بسبب مواقفه الوطنية والشعبية تعرض لابشع أنواع التعذيب داخل الملعب، وفي النهاية تم قتله في الملعب الذي بعد عقود من الزمن حمل أسمه.

اليوم، وبعد سنوات من بذخ العيش ووقوفهم ضد شعبهم وضد مصلحة وطنهم، من اجل مصالح النخبة، يقبع معظم رفقاء الضابط بيدرو في سجون التشيلي. أما بيدرو فقد هرب إلى الولايات المتحدة عام 89 وسرعان ما اختفت الاموال والمميزات ليجد نفسه وحيدا بعيدا عن عائلته ومنبوذا من بلده. هذا الضابط، الذي كان يعيش في احدى احياء سانتياغو الراقية مع سائق وحراسة وخدم، يعيش اليوم في منزل حقير في مدينة صغيرة في ولاية فلوريدا. ويعمل هذا الضابط المتقاعد، الذي كان تحت أمرته العشرات، طباخاً في مطعم للوجبات السريعة ينهره مديره الصبي إن هو تأخر في اعداد الهامبرغر. واليوم يرتعد هذا الضابط الذي كان يرعب شوارع سانتياغو خوفا بانتظار قرار الحكومة الامريكية ترحيله إلى التشيلي لمحاكمته هناك.
لا أعتقد أن بيدرو، عندما كان ضابطا شاباً، توقع هو ورفاقه في الأجهزة الأمنية هذه النهاية. بالتأكيد اعتقدوا أن ابواب المميزات والعيش الرغيد ستدوم لهم ولعائلاتهم بسبب تنفيذهم اوامر النظام ضد الشعب دون تردد. لكن سنة الحياة ابت الا أن تقتص من كل من يقف ضد شعبه، إما بلفظه من قبل النظام بعد انتهاء دوره او، كما حصل في التشيلي، ملاحقته ومطاردته بعد تغير النظام.

في الأردن، والحمد لله، فأن الاجهزة الأمنية (منا وفينا) ولم نصل مرحلة الاعتقالات الجماعية والتعذيب والقتل. لكن مأساة صالح، والتي كشفت للعامة فضيحة (الزعران) والإنفلات الأمني، فتحت الابواب للشك بأن هناك تواطؤا من قبل بعض الاجهزة الامنية والحكومية لجر الأردن نحو المجهول. هذا التواطؤ لا يمكن تفسيره فقط بالرشاوي التي كان يدفعها (الزعران) للأفراد. تورط بعض المسؤولين الكبار والذين، بصراحة، ليسوا بحاجة لرشوة من (حوحو) أو غيره يفتح الباب لتفسيرات اخرى.

لن أخوض في هذه التفسيرات لكن اذكر إخواني في المناصب القيادية في الاجهزة الامنية أن الفوضى في شوارعنا وإنعدام هيبة الامن والإنفلات، ستقود الأردن إلى الهاوية إن لم تقفوا مع الوطن. ووقتها لن تنفع أحد المزايا والعطايا وسيكون المحظوظ منكم من يجد نفسه مثل بيدرو طباخاً.

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى