الذاكرة المثقوبة

الذاكرة المثقوبة
د. هاشم غرايبه

على الرغم مما يلقاه الحيوان من عناية وحماية وتأمين الطعام والمأوى في حديقة الحيوانات، إلا أنك لن تجد أي حيوان يقبل دخولها إلا غصبا، ولو أتيحت له الفرصة في أية لحظة لهرب الى الحرية رغم مخاطرها.
مما يدعو الى العجب والإندهاش، أن يفعل إنسان ذلك طواعية وبإرادته، ليس أن يكون كائن استعراض أو لتسلية المشاهدين، بل أسيراً مرتهنا لإرادة كائن بشري آخر لا يتفوق عليه في المقومات البشرية، بل بما يمتلكه، سواء كان مالا أو نفوذا أو وسائل قوة عسكرية.
أن يصبح المرء إحدى حيوانات تلك الحديقة بإرادته، تماثل العربان الذي يسارعون الى التطبيع زرافات ووحدانا، وهم مدركون تماما أن ما يسعون إليه من علاقة مع أحفاد “شايلوك”، لا يمكن أن يجنوا منه نفعا، بل إن النفع كله لذلك الكيان الذي تأسس على الإغتصاب والنهب.
ليس في الأمر قناعة بحق مزعوم لليهود في فلسطين، ولم يطردهم منها المسلمون حتى يستعيدوها منهم، ولا هي شفقة على اليهود المساكين، فمن اضطهدهم هم الأوروبيون، فليعوضوهم عن ذلك بما لديهم، وليس بطرد آخرين من أرضهم وإحلالهم محلهم.
هذا الكيان ابتدعه الأوروبيون وباعترافهم، من ألفه الى يائه، ليكون لهم قلعة متقدمة في المنطقة العربية الإسلامية، لمنع توحدها من جديد.
أن قضية تأسيس هذا الكيان اللقيط لا تحتمل آراء ولا وجهات نظر مختلفة، بل هي حقيقة واحدة، لا تستطيع الدعاية تمويهها ولا التغطية عليها، فهي حدثت بالأمس وليس في العصور الوسطى، ومثبتتة واقعة أن الأوروبيين المستعمرين بعد هزيمتهم للدولة العثمانية، وتحت مسمى الإنتداب، مكنوا الأشتات من اليهود الأوروبيين من الإستيلاء على اراضي الفلسطينيين بالإرهاب والتهجير.
وأما قصة الإستناد الى النصوص التراثية- الدينية في شرعية تأسيسه، فقد تجاوز الغرب العلماني الدين منذ قرنين، ولا يعترف بأثره السياسي.
لذلك فمن يحاول التغابي بالقول أن (اسرائيل) أمر واقع، لن يجد من يصدقه، فهي ليست واقعا، ولن تصبح كذلك إطلاقا، إلا إذا جعلها العرب أصحاب الأرض كذلك بإرادتهم أو باستسلامهم للأمر الواقع وتقبله، أي بالتطبيع.
ترى ما الذي يدفع دولة لا تحتاج الى دعم مادي ولا تعوزها أدوات التقدم التقنية مثل الدول الخليجية، الى التسابق على التطبيع المهين مع الكيان اللقيط الذي تأنف معظم شعوب العالم من التعامل معه إلا خوفا أو طمعا؟
ما الذي يتوقعه من نفع أولئك الحكام الذين يتسابقون على إقامة العلاقات مع هذا الكيان بذريعة مضحكة هي التعاون لمواجهة الكورونا، بعد أن سقطت الذريعة السابقة ومسماها التحالف ضد الخطر الإيراني !؟.
هل يطمع هؤلاء أن هم توددوا الى قادة الكيان الجشعين أن يتوقف الغرب عن اعتبار الخليج مجرد صراف آلي!؟.
ما يحصل حاليا من هرولة نحو التطبيع ليس له ما يبرره، ولا تفسير سوى دور مشبوه لتحطيم إرادة الأمة، خاصة مع تسارع خطوات تنفيذ خطة صفعة القرن، الرامية لقتل الأمل في نفوس أهل الأرض، لتسهيل الأمر على قيادتهم (السلطة الفلسطينية) لإقناعهم بالرضوخ مقابل ثمن بخس هو تسهيل أمورهم المعيشية.
ما يتم على صعيد الأنظمة العربية جميعها، هو عكس ما يجب أن يكون.
إن كانوا تخاذلوا عن واجبهم فأسقطوا مسبقا رد العزة والكرامة (القوة)، وحولوا الجيوش من حماية الأوطان الى حماية الزعيم، فلا أقل من عدم التسليم بالأمر الواقع، وعدم اتاحة الفرصة للعدو لاستغلال لحظة التخاذل، والإقلاع عن المشاركة في لعبة عملية السلام العقيمة، وعدم الإستعجال في إستسلام لا مبرر له إلا خيانة الأمة، وترك الأمر للأجيال القادمة.
ما بيدهم ولا يكلفهم الكثير يتلخص في قرار عدم التطبيع.
لا شك أن الأنظمة العربية ليست جاهلة بواجبها، ولا عاجزة عن تنفيذ هذا المطلب الذي لا يكلفها شيئا، إلا غضب آلهتها التي تعبدها من دون الله (أمريكا)، التي تتقي غضبها وتنشد رضاها.
فهي تهرول الى التطبيع عن خنوع وذلة، لأنها اعتصمت بعدو أمتها، واعتزت بغير ما أعزها الله به.
لذا ستظل ذليلة..
ولا شك أن ذلك الذل هو التهيئة القدرية لسنة الإستبدال.
وسيستبدل الله بهم من يعتز به وحده، فيعز أمته من بعد ذل!.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق