
المفقود في الاقتصاد
ليس عجيبا ان يؤثر عن علي رضي الله عنه قوله: «لو كان الفقر رجلا لقتلته»، وذلك فهما منه لأثره السيئ في الناس الذي قد يخرجهم من عقال الفهم والدين والمبادئ، مع أن العرب ترفعوا وتعففوا حتى في جاهليتهم، فكان الشنفرى يعد من الصعاليك، ولكنه رضي ان يستف التراب ولا يذل، ورفضت هند الزنى للنساء فليس من اخلاق الحرة، ولكن في الأغلب الأعم فإن الفقر مفسدة للعقل والروح والجسد، لذا كان واجبا على الدولة ان توفر لمواطنيها الكفايات قبل أن تطالبهم بالواجبات.
غير أن الأنظمة الاقتصادية عالميا فقدت في العموم أبعادها القيمية، وبنيت الرأسمالية على فكرة مراكمة الربح والاستثمار والفائدة دون السؤال، فأقيمت بعض المصانع والمناجم والبنى التحتية ليس بالاسمنت فقط بل مضاف اليه دماء البشر في بعض الدول!
بل إن بعض الدول جعلت من البشر مختبرا للعلوم والأدوية، فقتلت منهم قبل أن تنقذ البعض! واذا كانت الاخلاق بعموميتها موضوعة على الرف، فالخطاب الاخلاقي المستمد من الدين غير وارد البتة، وحتى حقوق الانسان تفصل حسب الحاجة، فتجد دولا تعطي مواطنيها، وتمنع ذات الحقوق عن غيرهم في بلادهم، وفي خارجها.
حتى الخروج من مشاكل الفقر يقدم بمزيد من الانغماس فيما سببه، وكأن الاستمرار في ذات الطريق قد يعوض ما فات، ويجلب المزيد فمن تأكل البورصة ومقامراتها ماله يدمن الأمر كلاعب الروليت، ويظل يحاول لعل المرة القادمة تعوض الخسائر.
من يبني فندقا، ويريد ترخيصه بالنجوم الخمسة يحرص على وجود المسبح المختلط والديسكو والبار في دولته العربية التي ينص دستورها على الايمان بدين يحرم كل ما سبق!
من يقيم مشروعا قد يقترض من بنك ربوي، ويبهت حقوق الموظفين مقابل زيادة أرباحه، شقق سكنية تبنى بإشراف مكاتب ومقاولين بأسماء معروفة لامعة، وتراخيص معتمدة لا تحتاج الا الى شتوة لتبدأ العيوب في الظهور؛ ذلك لأن الامانة والمراقبة غابت من نفوس المسؤولين!
وهذه أمثلة تنطبق على كل مشروع قد يحمل على الورق شكل النجاح، ويبدأ بحصاد بذوره عند تطبيقه الا انه ايضا يحمل بذور الفشل اذا غابت عنه الرؤية، والاهداف، والاخلاقيات التطبيقية لا النظرية فهو دائما على شفا الفشل!
ان الجسد بلا روح لا يصمد طويلا، والاستثمار في المادة لا يغني عن الاستثمار في الروح! في ظل هذه الثقافة العالمية المسكونة بالارقام وفواتير الحساب والارصدة كان عجيبا أن اتعرف على مقياس ومؤشر عالمي للرفاهية والازدهار يقيم تنافسية الدول ووضعها الاقتصادي بناء على معيار قيمي واخلاقي هو مقياس معهد ليجاتم Legatum Institite الذي يجعل من القيم أحد مرتكزات الازدهار، بل يجعل من الحاكمية الرشيدة مرتكزا ثانيا، واستخدام المال للمحافظة على التماسك الاجتماعي والشبكات العائلية مرتكزا ثالثا!
غريب ان تعود الى المجتمعات الرأسمالية بعد التفوق الاقتصادي حالة من المطالبة بالعودة الى القيم والمبادئ كأساس لا يمكن الاستغناء عنه لمعالجة الاختلالات التي واجهت البشرية من التركيز على الحاجات والشهوات فقط.
غريب ان يستورد العالم هذه المفاهيم في الحكم Good Governance في الوقت الذي نزهد بل نعادي ونقلل من موروثنا الديني في الحكم الرشيد، بل ننعته بالتخلف وعدم مناسبته العصر!
اذن، يمكن التقدم بالدين والقيم، هكذا أثبت التاريخ، وهكذا يرى البعض أن الاقتصاد وهو عصب الحياة لا يمكن أن ينجح ويؤتي أكله في المجتمع، وبين الناس، الا اذا حمل رسالة فوق بريق الذهب وثقل العملات وأسعار الصرف والأرصدة في البنوك.
ان الأرقام التي تؤشر ضدنا قد تصير في صالحنا بشيء من الأمانة، ومزيد من المحاسبة والرقابة، وكثير من بذل الجهد، بغير ذلك ستبقى الخروق غير قابلة للرتق كلما سُد واحد فتق آخر!
لقد استعد المسلمون فيما مضى ان يربطوا الحجارة على بطنهم عندما رأوا رسولهم اول من يفعل ذلك، ورأوا من بعده خلفاءه الراشدين يطعمون الناس، ويبيتون على الطوى، أما أن تظل القطاط السمان تسمن زيادة على حساب الجميع فذاك أمر لا تحمد عقباه.
إن التطور الاقتصادي الذي يؤدي الى افلاس المخزون الروحي لأي مجتمع سيؤدي الى انهيار الحضارة مهما كانت قوتها المادية هكذا يرى مالك بن نبي.
إننا في خياراتنا الاقتصادية نختار هُويتنا؛ فإما ان نصبح سلعة في السوق، او نترفع عن بيع أنفسنا، وعن هذا يقول محمد اقبال: «ان الفلسفات والنظم المضادة للاسلام ترى ان انسان اليوم يمكن شراؤه في السوق بقيمة او بأخرى، فإن لم يرضَ بهذه الكمية من الثمن فسيرضى بكمية اكثر منها»!!! خياراتنا تحدد أثماننا وهل نباع في اسواق النخاسة ام نشتري حريتنا؟!


