الحق

[review]
الحق

محموحمد الشمايله

وتمر الايام برتابتها ، وتعلن عن بدء الالام ، مرة أخرى تنقشع ستائر الزيف عن الوجوه ، تداعب مسامعنا بعض من أطراف الحقيقة ، بعدما كانت الرؤية شبه معدومه والالوان تتحلل من لونها الرمادي ، لتكشف لنا عن صفحة الوجوه التي أحترفت التمثيل والزيف والخداع . لا. انا لم اقترض منك اية نقود ، عليك أن تراجع نفسك وتتذكر جيدا من الذي اعطيته تلك الدنانير المزعومه.

قالها بخبث امام جمع من الناس ، ولم يعترف بها بعد أن ماطل صديقه لاشهر طويله. بملامح طفل يبكي كان وجه جمال الذي اشفق عليه ذات يوم ، واقرضه الف دينار لكي يصلح دكانه القديم ، ويملأه بالبضاعة واللحوم المجمده والمبردات وكل ما يلزم حتى اصبح سوبر ماركت كبيرا يحتاج الى عامل اضافي لكي يلبي طلبات الزبائن التي لا تنتهي ، والتي حقق منها ارباحا كبيرة ليصبح ابو محمد صاحب الدكان من اغنياء البلدة . لا يعلم ما الذي يبكيه ، ايشفق على صديقة الذي أصبح من اكلي حقوق البشر بجدارة ؟ ام يشفق على نفسه لأنه حتما قد خسر صديقة الحميم بأنكاره لفضله عليه بعد الله وخسارته لشقاء سنين طويله ، تلك الدنانير التي وفرها لأكمال دراسة ابنه في الجامعة . لا شهود ولا اية اوراق لأثبات حقه ، على اية حال سيلجأ الى القاضي لعله يعترف بها مخافة لله عز وجل عندما يقسم ويده فوق القران الكريم.

بكل بساطة ودون تردد ، وضع يده على القران وأقسم وأنكرها مرة اخرى ، لم يخجل من أن ينظر الى وجه صديقة ، بل صدرت عنه ضحكة صفراء جعلت جمال يقف على حافة البكاء قهرا . سأله القاضي هل لديك شهود ؟ اجاب جمال والالم يعتصره ، لا يا سيدي لم يكن هناك الا انا وهو وولده الصغير محمد الذي لم يتجاوز العاشره من عمره . كان جمال يعلم أن شهادة الصغير لا يعتد بها في المحكمه ولكن قد يسمعها القاضي من باب استئناس المحكمه والالمام بظروف القضية لذلك طلب من القاضي أن يستمع لشهادة الطفل واصدر قرارا بالموافقة .

مضى اسبوع والتاجر يلقن ولده الكلمات التي عليه أن يقولها، بعد أن وعده بشراء كل ما تشتهيه نفسه ، ملأ غرفته بالالعاب ، اخذه الى المدينه ، اشترى ملابس جديده ، ثم أستمع لشهادة الطفل الذي حفظها غيبا قبل أن يذهب الى المحكمه ، انا لم أر شيئا لم أسمع شيئا ولا اتذكر اي شيئ فانا ما زلت صغيرا يا سيدي . دخل الطفل الى قاعة المحكمة وفي يده اشياؤه الصغيره ، علبة الوان ودفتر رسم ، وكيس أسود يحتوي على قطع من الشوكلاته وأشياء أخرى وابتسامته الطفوليه تسبقه الى الى الوجوه الى افترشت المقاعد الجلدية في قاعة المحكمة . بكل ثقة وبراءة الطفولة التي اجتمعت في هذا الطفل ، يضع يده على القران ويقسم كما لقنه القاضي ، استحضر قلبه كل ما تعلمه عن شهادة الزور وقبل أن يسأله ، نظر الى جمال وقرر أن يقذف برغبات والده بحذائه الصغير، وقال : نعم يا سيدي لقد اخذ والدي من هذا الرجل النقود ورفض أن يرجعها بحجة الالتزامات وطلب منه أن يصبر حتى تتحسن الأوضاع ، ولكنه بعد ذلك أنكرها ، وطلب مني أن أشهد زورا ، وراح الطفل يكتب بألوانه على طاولة القاضي ويعبث بها حتى نهره والده ولكزه كثور هائج. انحنى جمال واستحال الى كتلة صغيرة تقبع امام طفل كبير احتضنه وقبله على جبينه ، ذرف دمعة من عينيه أشفاقا على هذا الطفل وراح يتمتم ويستجدي الله ويسترحمه ويستعطفه أن يحفظ هذا الطفل وأن لا يأخذه بأفعال والده ، وتوجه الى القاضي وقال يا سيدي أنا اتنازل عن حقي وأسامحه أمام الله وأمامكم اكراما لهذا الطفل وأني ادعو الله أن لا يقتص من والده به ، غادر قاعة المحكمة وعيناه ما زالتا تذرفان .

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق