«الحقني أنا على الباخرة»: ما الذي حدث يوم تسرّب الغاز في العقبة؟ / تفاصيل لم تنشر

#سواليف

في السابعة من صباح الإثنين الماضي رست #الباخرة «Forest 6» في #ميناء_العقبة الجديد المخصص أساسًا لمناولة البضائع العامّة، وشرعت بتنزيل عشر #حاويات فارغة من الباخرة إلى ساحة الميناء، وتحميل 18 حاوية أخرى تحمل خزّانات ممتلئة بمادة #الكلورين كانت تنتظر في #شاحنات في ساحة الميناء بالقرب من الباخرة.

بحسب شهادات عمّال قابلناهم، أنهى عمّال المناوبة «بي»، التي تمتد بين السابعة صباحًا والثانية بعد الظهر، تنزيل الحاويات الفارغة التي تزن الواحدة منها بين 7 – 8 أطنان على #رافعات تَستخدم أسلاكا مخصصة للأحمال الخفيفة يصل حدّ تحمّلها الأقصى إلى عشرة أطنان، ثم استلم عمّال المناوبة «سي» عملهم الساعة الثالثة ظهرًا، وبدأوا برفع الخزّانات الممتلئة التي يزن الواحد منها قرابة 30 طنًا على الباخرة بمعدّات المناولة نفسها المستخدمة في تنزيل #الحاويات_الفارغة.

نقل العاملون على الرافعة الخزان الأوّل من ظهر شاحنة واقفة في ساحة الميناء إلى ظهر الباخرة، وعندما كانت الحاوية التي تحمل الخزان في الأعلى سقط الخزّان وهوى على ظهر الباخرة وانفجر مسببًا سحابة صفراء قتلت 13 شخصًا كانوا في المكان، وأُصيب 332 شخصًا آخرين تلقوا العلاج في مستشفيات العقبة، ومعظم #الإصابات كانت في حالة بين متوسطة وبسيطة باستثناء حالتيْن احتاجتا إلى تنفس اصطناعيّ، ونقلتا إلى عمّان بناء على طلب ذويهم بحسب وزير الصحة فراس الهوّاري.

مقالات ذات صلة

أوعز رئيس الوزراء تشكيل لجنة تحقيق في الحادثة ضمّت عدة جهات حكوميّة معنيّة، ومن المفترض أن يصدر عنها تقرير مفصّل بداية الأسبوع القادم.

الدقائق الأولى من الحادثة

هرب العمّال بمجرد أن ظهرت السحابة الصفراء من انفجار الخزّان المملوء بمادة الكلورين، منهم من دخل مكاتب الحركة في الشركة البعيدة نحو 200 متر عن موقع الحادثة، وأغلقوا على أنفسهم الأبواب والشبابيك، مثل العامل إيهاب القطامين الذي كان يَكنس في ساحة الميناء بعيدًا بنحو 50 مترًا حين وقع الحادث: «ما كنت بعرف المادة سامة، فكرت وقعت على زملائي، رحت [أشوفهم]». لكنّه تراجع مبتعدًا بعدما بدأ يشعر بالاختناق «انخنقت، مش قادر أطلّع نفس، أو أوخذ نفس» وركض باتجاه مكاتب الحركة، وأغلق مع عمّال آخرين الأبواب والشبابيك وبالرغم من ذلك وصلتهم الرائحة الثقيلة كما يقول.

نُقل القطامين إلى مستشفى هاشم العسكري في المدينة بعد أن شعر بضيق النفس بعد ساعةٍ تقريبًا من وقوع الحادثة، وظلّ في المستشفى على جهاز الأكسجين حتّى الواحدة بعد منتصف الليل.

أمّا عامل التحميل والتنزيل محمد العمرو، فركض بعيدًا باتجاه مكان مرتفع هربًا من الموت، «حطّيت رجليّ وركضت، أوّل ما أجا ببالي ابني، بدي أربّيه، بدنا نعيش».

على الجهة الأخرى، وعلى بعد نحو 900 متر تقريبًا عن موقع الحادث في ساحة مخصصة لتخزين السيّارات، شاهد أبو يوسف دوّاس ومعاوية المواجدة السحابة الصفراء ترتفع في الجو فأخذ المواجدة سيارة من الساحة ووصلا بعيدًا عن الباخرة نحو 100 متر بحثًا عمّن يحتاج إلى مساعدة: «السيارة مسكّرة ومكيّفة [لكن] لفيت ورجعت ما قدرت [أتحمّل]». يقول المواجدة.

بين الرابعة والثلث والخامسة إلا ثلث هاتفَ أحد العمّال الموجودين داخل الباخرة زميلَه أبو يوسف دوّاس: «الحقني يا أبو يوسف، [أنا] على الباخرة» فهاتف دوّاس أحد المسؤولين وأخبره الأخير أنه في الطريق إلى الميناء. في هذه الأثناء نقل دوّاس ثلاثة مصابين بالاختناق وأبعدهم عن مركز الغيمة ثم تلقى مكالمة ثانية من العامل على ظهر الباخرة لكنه لم يستطع الاقتراب أكثر لشدّة ثِقل الغاز على رئتيه. مرّة أخيرة، وفي الخامسة إلّا ثلث، اتصل العامل بدوّاس، بصوت لا يكاد يسمع، «قلت له وين مكانك؟ فسكت» إذ كان قد تُوفي.

كان سائق الشاحنة الأربعيني بلال العريني ينتظر دوره لتفريغ حمولته من غاز الكلورين عندما انفجر الخزّان. استطاع بسرعة الهروب إلى مكانٍ أبعد قليلًا لكنه توقف إذ وصل الغاز إلى رئتيه من شبّاك الشاحنة المفتوح.

ينقل شاهد عيان وقريب لبلال العريني في نفس الوقت لعائلته ما جرى بعدها، إذ وفور أن بدأت الغيمة بالانقشاع كان قريب بلال وهو سائق أيضًا يبحث عنه، وعندما وجده صعد إلى الشاحنة ووجده يلفظ أنفاسه الأخيرة على سرير الشاحنة خلف المقعد بعدما رمى بنفسه عليه ليتوفى هناك.

كان العريني أبًا لستّة أطفال؛ ثلاث بنات وثلاثة أولاد، أكبرهم بنت في الثانية عشر من عمرها، وأصغرهم رضيعة، يسكنون في مخيم الحسين. يطالب أحمد العريني، ابن عمّ بلال، بتعويض لأبنائه من الشركة على الأخطاء التي ارتكبتها؛ «بدنا نشتكي على الميناء، الباخرة، وعلى شركة النقل، تحمّله مواد خطرة ولا تعليمات للشوفيرية كيف تتعامل مع هاي المواد؟».

توفي من العمال من كان قريبًا من الرافعة ومن كان على ظهر السفينة ينتظر تنزيل الخزّان؛ خمسة عمال من فيتنام من طاقم الباخرة، وثمانية أردنيين؛ خمسة يعملون في شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ، ومندوب لشركة تخليص، ومندوب وكيل الباخرة، وسائق الشاحنة بلال العريني. وجميعهم توفوا نتيجة «قصور بالجهاز التنفسي أدى إلى الاختناق» بحسب رائد المومني رئيس المركز الوطني للطب الشرعي.

خزانات مادة الكلورين، والتي انفجر أحدها خلال نقله للباخرة. تصوير مؤمن ملكاوي

السلامة العامة في الميناء

يختصّ الميناء الذي حصلت فيه الحادثة بمناولة البضائع العامّة مثل الحبوب والحديد والخشب والرخام والمكيّسات والفحم السائب والكبريت بالإضافة إلى السيّارات. يقول رئيس اللجنة النقابية لإدارة وتشغيل الموانئ أحمد عمايرة إن هذه المواد يجري تناولها بالعادة في ميناء الحاويات الذي تديره شركة ميناء حاويات العقبة الـ(ACT) وهو ميناء مخصص لمناولة الحاويات، وهو ما أكده كذلك صاحب شركة لوجستيّة في مقابلة معه على قناة المملكة.

يرفض نائب رئيس مجلس مفوضي سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة حمزة الحاج حسن هذا الكلام، مؤكدًا أن الميناء شهد مناولة المادة نفسها من الوكيل نفسه قبل شهرين. كما يقول إن وكيل الباخرة هو من يحدد مِن أيّ ميناء يريد أخذ بضاعته. ويقول الحاج حسن إن أرصفة الموانئ في العقبة هي نفسها إنما ما يحدد فيما إذا كان الميناء مخصصًا لاستقبال الحاويات من عدمه هو العامل البشري والمعدّات اللازمة في المناولة.

امتنع مدير شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ عن الرد على أسئلة حبر بقوله «مبقدرش أرد».

يقول عمايرة إن معدّات المناولة في الميناء الجديد مهيأة للبضائع، وإن مناولة الحاويات تتم في ميناء مخصص للحاويات، مضيفًا إنه قد تكون لدينا معدات مهيأة لنقل الحاويات لكن الميناء غير مخصص لنقل الحاويات في ظل وجود ميناء مخصص لها.

يتوزّع العمّال في الميناء على عدة أقسام هي؛ التحميل والتنزيل ويُطلق عليهم عمّال «الشلّة»، وتكون مهمتهم أداء المهام التي تتطلب نقل البضائع ويساعدون في ربط حاويات أو طرود البضائع بالرافعات، والقسم الثاني «الونّيش» وهو الذي يدير الرافعة، القسم الثالث عامل «الكومندا» الذي يوجّه سائق الرافعة إلى مكان وضع الطرد أو الحاوية بسبب عدم وضوح الرؤية للأخير، ثم عامل حصر البضائع في الباخرة ويسّمى «تيلي»، يضاف إليهم رئيس الكتبة المسؤول عن فحص بيان الباخرة من أوزان وأحجام الحاويات أو الطرود وطبيعة المواد التي تحملها، ورئيس الباخرة وهو من يحدد عدد العاملين المطلوبين لتفريغ هذه الحاويات أو رفعها من الباخرة وإليها، وتحديد المعدّات اللازمة للمناولة، ومكان التفريغ والتحميل.

وفقًا لشهادة أكثر من عامل في أكثر من قسم في الميناء وأكثر من مناوبة، منهم عاملٌ «ونّيش» فإن تفريغ حمولة الباخرة من الحاويات الفارغة في المناوبة الصباحية «بي» تمّ باستخدام أسلاك تحمل حتّى 10 أطنان وهي مخصّصة للأحمال الخفيفة، وعندما بدأت المناوبة الثانية، تبعت المناوبة الأولى في استخدام معدات المناولة. يقول رئيس الكتبة في المناوبة الصباحية يوم الحادثة ياسر الزعبي إن عمّال المناوبة الصباحية قد استخدموا لتنزيل الكونتينرات الفارغة من السفينة أسلاكًا فعالةً في التعامل مع الأحجام والأوزان الخفيفة، حيث لم يكن يزيد وزن الكونتينرات عن 8 أطنان، ولكن عندما بدأت المناوبة التالية «إللي إجا ما راعى إنه هذا الكونتينر أو الصهريج تحميله ثقيل وما كان حدا متواجد من المعنيين [حتى يرشدهم]».

ووفقًا لشهادات عمّال من أكثر من مناوبة وأكثر من قسم، فإن شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ تركّز على أدوات السلامة العامّة التي تختص باللباس من ارتداء الخوذة والقميص الفسفوري وحذاء العمل، وتشدد على ارتدائها، لكن وفقًا لهذه الشهادات كذلك فإن ذلك لا يكفي للحماية من مخاطر العمل في حال مناولة الأوزان الثقيلة والمواد الخطرة. بالإضافة إلى ذلك لم يعرف الكثير من العمّال طبيعة المواد التي تعاملوا بها، ولم يعرف أكثر من عامل يوم الحادثة كيف يتعامل حين وقع خزّان الكلورين.

يقول عمايرة إن السلامة العامة تبدأ من تدريب العاملين على عمليات المناولة، وتصنيف الساحات كساحات خطيرة أو أقل خطورة وآمنة.
سبق وأن وقعت حوادث أخرى في الميناء، توفي عامل تحميل وتنزيل قبل سنة حين أراد الاستفادة من ظلّ أنابيب حديد في الساحة اتقاء حرارة الشمس فوقعت عليه، وأصيب مراد القيسي في رمضان الماضي وتعرض إلى كسر في ضلعه وبقي في المستشفى لواحد وعشرين يومًا لسبب متعلق بالسلامة العامة إذ وقع القيسي في فتحات الرصيف في حين كان يجب وضع صفائح عليها لسد هذه الثغرات كما يقول.

كان مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية قد أصدر تقريرًا السنة الماضية عن واقع عمال الموانئ في العقبة مشيرًا إلى وجود نقص في أدوات وأساليب السلامة العامة. وكان بيت العمال للدراسات قد أصدر تقريرًا كذلك إبان الحادثة الأخيرة حول السلامة والصحة في مكان العمل أشار فيه إلى أن الحادثة كشفت عن فجوات تشريعية وتنظيمية في مجال السلامة والصحة المهنية، من حيث عدم قدرة الجهات الرسمية على فرض رقابتها على معظم المؤسسات ومواقع العمل، أو من حيث قواعد وحدود مسؤوليات صاحب العمل عن توفير شروط وبيئة العمل اللائقة والآمنة في مواقع العمل، والحمايات اللازمة للعمال من أخطار العمل، ومسؤوليته عن التقصير في توفيرها ومدى قدرة التشريعات والإجراءات للجهات الرسمية المعنية على ردع المخالفات المتكررة بشأن السلامة والصحة المهنية.

يصف أحمد عوض مدير مركز الفينيق مستوى الالتزام بمعايير السلامة العامة في موانئ العقبة بأنه في الحدود الدنيا وأن الشركات تتعامل مع السلامة والصحة العامة على أنها نفقات غير لازمة.

ويعلق مدير بيت العمال حمادة أبو نجمة على اقتصار إجراءات السلامة العامة على اللباس وحده بأنه لا يكفي إنما يجب أن تكون الإجراءات أكثر وأشمل مثل إخبار الإدارة للعمال حول الخطورة المحتملة من العمل وسبل الوقاية من هذه الخطورة وتوفير الاحتياطات في مكان العمل مثل السماعات والقفازات وأن تكون تعليمات السلامة العامّة معلّقة بشكل واضح في مكان العمل.

بدوره، يعتبر الحاج حسن حالة السلامة العامة في الميناء موجودة لكنها ليست «في المدينة الفاضلة» مؤكدًا إنه إذا كان هناك نقص فيها أو تقصير فستتمّ محاسبة المقصرين.

أضرب عمّال الميناء عن العمل يوم الأربعاء التالي للحادثة، واحتج عدد منهم أمام مبنى محافظة العقبة. تصوير مؤمن ملكاوي

احتجاجات ما بعد الحادثة

أضرب عمال الميناء عن العمل بعد الحادثة، وفي صبيحة يوم الأربعاء نفذ العشرات منهم وقفةً أمام نادي الأمير راشد التابع لشركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ لكن سرعان ما فضّها الأمن بحجّة أن المكان ممنوع التجمهر فيه، فنقل المحتجون وقفتهم إلى المساحة أمام مبنى المحافظة وكان أحدهم يصرخ هناك: «هيهم هذول ماتوا وضحوا بحالهم مين سائل عنهم؟».

يرفض الحاج حسن الإضراب ويقول بأنه لا يجوز ومرفوض لأن الميناء عصب الاقتصاد ولا يجوز وقفه، وقد جرى تأمين الميناء بأيدٍ عاملة. وطالبَ الحاج حسن العمالَ والموظفين، أن يمتنعوا عن رفع الأدوات الخطرة والكيماوية، إن كان حجتهم عدم توفّر أدوات سلامة عامة، وأن يقوموا بالأعمال الأخرى مثل نقل السيارات والمواد الغذائية مثل السكر والأرز. مضيفًا إن لجنة التحقيق لم تقتصر في التحقيق على موظفي الميناء وعمّاله إنما طال التحقيق أفرادًا من الإدارة نفسها ومن خارج الميناء كذلك، ومن الهيئة البحريّة.

أضرب العاملون في الميناء، وترفض النقابة العامّة للعاملين في موانئ العقبة -حتى وقت إعداد هذا التقرير- الرجوع إلى العمل قبل أن ترفع الشركة مستوى السلامة العامة في الموقع مثل الاهتمام بالموارد البشرية من حيث التدريب على التعامل مع مثل هذه البضائع، وتحسين المستوى المعيشي للعمّال؛ «مش معقول عامل بمستوى هذه الخطورة تعطيه 300 و350 دينار، تحسّن مستواه مشان يقدر يجي ذهنه صافي للعمل» يقول رئيس النقابة العامّة للعاملين في موانئ العقبة أحمد عمايرة، مضيفًا: «بدي أقول للناس روحوا داوموا، والموقع على ما هو عليه؟». إلى ذلك فالإضراب مستمر كما يقول.

المصدر
حبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى