.الحدود

[review]الأحد 28-3-2010

 على سطح بيتنا كنت أتابع عودتهم بشغف وانتظار..مع تمدد الغروب على سماء حارتنا، يعود صبيان الحي من السهل البعيد، محمّلين بأعشاب الروض وكائناته المسالمة..»بلايزهم» الصوفية .. محشوّة بالعوصلان، والدنيدلة، والخرفيش..وبعضها قد علق الشوك و»العلّيق الأخضر» بها، يخفون في أحذيتهم الضفادع وفي جيوبهم الحولزان الكبير..كنت أراقبهم وهم يحضرون «الكراكع»الصغيرة ويجوبون الحارة استعراضاً ونكاية ثم يبدأوان بمفاوضتنا نحن «الهبايل» المحجورين في البيوت بحجة الدراسة..»الكُركعة بربع دينار»..ولمسها بشلن..وان ثبت بالوجه الشرعي أن «الكركعة» أنثى فالسعر يتضاعف أو قد تنقض البيعة ..
على سطح بيتنا ، كنت اسافر بنظري خلف هضبتين سوريتين تبدوان لي هادئتين وقت الغروب كتنفّس الوليد، ولأن النظر لا يحتاج الى جواز سفر، كنت اسافر كثيراً من غير حبر الأختام أو تدقيق في الهوية .. كنت أتخيّل الناس هناك..ترى ما ذلك الضوء البسيط الذي يطل خلف تلك التلة البعيدة ..بيت ، مزرعة، برج مراقبة..لا أكاد أجزم..ترى هل هناك بيت طينيّ له شبّاك مرتفع يحيط به قضبان زرقاء ..هل في قريتهم سنسلة مهدود نصفها..كنت أفكر كثيراً خلف الهضبتين..سعدية ، تلك الحورانية الجميلة…تفتح كتاب النصوص على نشيدة لسليمان العيسى..تحفظها وتنسى نفسها ،هناك على درجة بيتها..وأبوها ذلك الفلاّح الدرعاوي يطلب منها أن تنزل اكياس «الحشيش» عن ظهر الحمار.. يتنحنح ويغلف بوابة الحوش..ثم يغسل يديه ورأسه بماء دافئ بعد يوم رعوي طويل..
ترى هل ثمة عرس خلف الحدود..وبعض شباب يدبكون على صوت المجوز «الدرعاوي» ورسائل حبّ بالضرورة يتم تبادلها بسرية وعفوية عند «اللفة «الأولى للدبكة،كم سراج يطفأ بعد العشاء ، وكم سراج يضاء قبل الفجر..؟ هل نفد «المازوت» من مدفأة أبو فارس البذّار..ماذا تقول صحافتهم مع بزوغ الشمس؟..ماذا يقرأون في كتب الحساب..كنت اتابع قناة سوريا الأولى عندما تبث دروساً تعليمية في الجبر لمستوى الصف السادس.. ومع أني في الصف السادس، فقد كنت أبرر ضعفي الرياضي بأنني في الصف السادس»أ» وهذا الدرس ربما للسادس»ب»..كيف هي دكاكينهم الصغيرة ذات الأبواب الخشبية المنقوشة في الشتاء وأي بضاعة يحضرون في الربيع!!…
عصافير الدويري ..ترحل هناك الى بيادرهم صباحاً وتعود الى اعشاش الطين في بيوتنا مساء…السنونو كان يرحل من هناك صباحاً يشبع من بيادرنا ويعود الى اعشاشه في سقوف بيوتهم مساء..لقد كانت العصافير أكثر حرية من احمد الحسن وسعدية القاسم..
من على سطح بيتنا..كنت أرفع حبل الغسيل الذي يقطع الأفق الى نصفين..ويقطع الخيال الى نصفين، وأمحو الحدود بغمضة عين..وأسافر بعيداً بعيداً ..اشاهد سعدية ، في شاشة خيالي ..تجلس على درجة بيت الحجر والطين وتحفظ شيئاً لسليمان العيسى…وشيئاً للوطن..وتحفظ القليل القليل لأحمد الحسن..

ahmedalzoubi@hotmail.com

احمد حسن الزعبي

مقالات ذات صلة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى