التورية اللغوية وحرية التعبير

التورية اللغوية وحرية التعبير
المحامي الدكتور حازم توبات

التورية في اللغة تُعني إيراد كلمة لها معنيان: أحدهما أقرب إلى الذهن لكنه غير المقصود، والثاني بعيد خفي إلا انه هو المقصود, بمعنى أن يقول المتحدث كلامًا له معنى يفهمه السامع ولكنه يريد به معنًى آخر مختلف مع وجود قرينة تدلّ على المعنى البعيد يستطيع أن يتوصل إليها القارئ أو المستمع بالتروي والتأمل وربط الأحداث مع بعضها. وقد اجاز الرسول صلى الله عليه وسلم استخدام التورية في القول عند الحاجة إذا كان لذلك مبرر فقال صلى الله عليه وسلم: “إن في المعاريض( يعني التوريه) لمندوحة عن الكذب”.
التورية قد تستخدم أحيانا للتهرب من المسأءلة القانونية وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير والقيود الجائرة المفروضة عليه بواسطة القوانين, فحرية التعبير كحق دستوري نصت عليها المادة 15 من الدستور الأردني بإعتبارها من الحقوق التي يجب ممارستها في حدود القانون, لأن ممارسة حرية التعبير على إطلاقها دون قيد سيؤدي حتماً إلى تقاطع الحقوق وتعارضها مع بعضها البعض, الأمر الذي يؤدي إلى الفوضى, والتضحية بحقوق أخرى مثل الحق في الحياة الخاصة أو الحق في السمعة والإعتبار , لذلك يأتي دور السلطة التشريعية في التدخل وسن القوانين التي تعمل على إيجاد التوازن بين المصالح المتضاربة سواء مصالح الأفراد فيما بينهم أو بين مصالح الأفراد ومصالح المجتمع المتمثلة في تحقيق النظام العام والأخلاق العامة .
إلا أن سلطة القوانين في تنظيم ممارسة الحقوق يُفترض أنها ليست مطلقة وإنما مقيدة بضوابط, لأن ممارسة الحق هي الأصل والقيود هي الإستثناء, والمبدأ القانوني يقول إن الإستثناء يقدر بقدره والحق ينحصر في غرضه. وقد نصت المادة 128 من الدستور على هذه الظوابط بالقول “لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها”. إلا ان هذا النص الدستوري للأسف معطّل عن التطبيق ويتم تجاهله تماماً من قبل السلطة التشريعية وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقوانين التي تفرض قيوداً على حرية التعبير, فتعسفت السلطة التشريعية في تنظيم ممارسة الحق في التعبير عن الرأي وتجاوزت حدود التنظيم إلى حد إفراغ هذا الحق من محتواه, حيث إن الأحكام القانونية التي تنظم حرية التعبير قد صيغت بطريقة غامضة وفضفاضة, ويمكن التوسع في تفسيرها لتجريم أي قول أو فعل استناداً إلى هذه النصوص الفضفاضة والغامضة. هذا الغموض والفضفاضية في صياغة النصوص القانونية حولت القوانين عن دورها المفترض في تنظيم حرية التعبير إلى انتهاك هذه الحرية وإفراغها من محتواها, فأصبحت سيفاً مسلطاً على رقاب الأردنيين لا يستطيع من يريد أن يعبّر عن رأيه إلاّ باللجوء إلى التورية اللغوية للنجاة من أحكام هذه القوانين, وقد لا ينجو.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق