التمسك بتنفيذ الأوامر دفاعا عن الوطن

التمسك بتنفيذ الأوامر دفاعا عن الوطن
موسى العدوان

في شهر كانون أول عام 1944، جرى إرسال الملازم هيرو أونودا الضابط في الجيش الياباني، إلى جزيرة لوبانغ الصغيرة في الفلبين، لينظم إلى القوات المتواجدة هناك. كانت الأوامر التي تلقاها الملازم، تقضي بأن عليه إبطاء تقدم قوات الولايات المتحدة الأمريكية، إلى أطول مدة ممكنة والثبات والقتال وعدم الاستسلام مهما كلف الأمر.

وفي شهر شباط 1945، استولت القوات الأمريكية على جزيرة لوبانغ بقوة كاسحة، وخلال أيام معدودة قتل أو استسلم معظم الجنود اليابانيين في الجزيرة. لكن أونودا وثلاثة من رجاله نجحوا في الاختفاء بين الأدغال. ومن هناك راحوا يشنون حرب عصابات ضد القوات الأمريكية.

وفي شهر أب من ذلك العام ألقت القوات الأمريكية قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي، واستسلمت اليابان في أشد الحروب هولا ومأساوية. إلا أن آلاف الجنود اليابانيين ظلوا مبعثرين في جزر كثيرة في المحيط الهادي. وكان أكثرهم مختبئا في الأدغال على غرار ما فعل الملازم أونودا، ولم يعرف هؤلاء أن الحرب انتهت.

ألقت قوات الولايات المتحدة بالتعاون مع حكومة اليابان، آلاف المناشير في منطقة المحيط الهادي، معلنة فيها أن الحرب قد انتهت، وأن الوقت قد حان لكي يعود كل واحد إلى بيته. عثر أونودا ورجاله على بعض تلك المناشير، إلا أنه قرر بأن هذه المناشير كاذبة، وأنها فخّ تنصبه القوات الأمريكية، لجعل قوات الأدغال يظهرون أنفسهم، فقام بحرق المناشير وظل مختبئا مع رجاله يتابعون القتال.

مرت خمس سنوات وتوقف إسقاط المناشير، وعاد القسم الأكبر من القوات الأمريكية إلى وطنهم. فحاول سكان جزيرة لوبانغ العودة إلى حياتهم الطبيعية، حياة الزراعة وصيد الأسماك. إلا أن أونودا ورجاله واصلوا إطلاق النار عليهم، وحرق محاصيلهم وسلب مواشيهم، وقتل من يغامر منهم بالتوغل بعيدا في الأدغال. عند ذلك قررت حكومة الفلبين طباعة مناشير جديدة وتوزيعها في الغابات. كانت تلك المناشير تقول : “أخرجوا . . لقد انتهت الحرب . . لقد خسرتم الحرب “. لكن الملازم أونودا تجاهل هذه المناشير أيضا.

وفي سنة 1952 قامت الحكومة اليابانية بمسعى أخير، لسحب آخر الجنود الباقين من أماكن اختبائهم في جزر المحيط الهادي. فجرى إسقاط صور ورسائل من أهالي هؤلاء الجنود بواسطة الطائرات، إضافة إلى رسالة شخصية من إمبراطور اليابان نفسه. ومن جديد رفض أونودا تصديق أن تلك الأخبار كانت صحيحة، وإنما هي خدعة من جانب الأمريكان، وواصل القتال مع جنوده.

وبعد بضع سنوات سئم السكان من هذا الوضع وخوفهم المستمر، فحملوا السلاح وراحوا يقاتلون أولئك الجنود. وفي عام 1959 استسلم واحد من رفاق أونودا وقتل آخر، وبعد عشر سنين قتل آخر هو ( كوزوكا ) في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة، بينما كان يقوم بإحراق حقول الأرز فأصبح أونودا وحيدا في الأدغال. أرسلت حكومتا اليابان والفلين في عام 1972 فرقا للبحث عن الملازم أونودا الذي أمضى نصف حياته في الأدغال وصار بطلا وأسطورة يتحدث به الجميع، ولكنهم لم يجدوه.

تطوع شاب أسمه سوزوكي بأن يقوم بمغامرة في البحث عن أونودا، وسافر إلى جزيرة لوبانغ وتجول وحيدا في الأدغال، التي كانت تمشط من قبل الشرطة خلال ثلاثين عاما ولم تعثر عليه. كانت خطة سوزوكي أن يصرخ باسم أونودا بصوت مرتفع، ويقول إن امبراطور اليابان قلق عليه. والعجيب أن عثر عليه بعد أربعة أيام.

سأل سوزوكي الملازم أونودا عن السبب الذي جعله يختفي هناك، ويواصل القتال طوال هذه المدة؟ كانت إجابة أونودا بسيطة : ” أنه تلقى الأوامر من قائده بالثبات وعدم الاستسلام أبدا، وهكذا ظل ملتزما بتلك الأوامر قرابة ثلاثين عاما “. ثم سأل أونودا بدوره سوزوكي : ما الذي جعل شابا مثلك يأتي باحثا عني؟ فقال سوزوكي : ” لقد جئت مغامرا أبحث عن ثلاثة أشياء: الملازم أونودا، دب الباندا، ورجل الثلج المخيف “.
المرجع : كتاب فن اللامبالاة / مارك مانسون.

* * *

التعليق : من المعروف أن اليابانيين من الشعوب المقاتلة التي تضحي من أجل الوطن. والملازم أونودا هو من ذلك الشعب المقاتل العظيم الذي تمسك بأوامر قائدة طيلة نصف حياته. وفي هذا السياق نذكر أيضا ما قام به طياروا الكاميكاز من هجمات انتحارية، على الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي، خلال الحرب العالمية الثانية وأوقعوا به خسائر فادحة، تسببت في ضرب بلادهم بالقنابل الذرية.

فتاة يابانية كانت في المهجر قررت العودة إلى بلادها لتنظم إلى المقاومة، بعد أن تعرضت بلادها للعدوان الأمريكي. فقيل لها بأنها كالظبية لا تقوى على القتال، الأمر الذي زاد من إصرارها على العودة والدفاع عن وطنها. فتمثل شاعر وادي النيل حافظ إبراهيم إصرار هذه الفتاة وتغنى نيابة عنها بالقصيدة التالية :

إنّ قومي استعذبوا ورد الردى . . كيف تدعوني ألاّ أشربا ؟

أنا يابانية لا أنثني . . عن مرادي أو أذوق العطبا

إن أنا لم أحسن الرمي ولم . . تستطع كفاي تقليب الظبا

أخدم الجرحى وأقضي حقهم . . وأواسي في الوغى من نُكبا

هكذا الميكادو قد علمنا . . أن نرى الأوطان أما وأبا

ملك يكفيك منه أنه . . أنهض الشرق فهزّ المغربا

التاريخ : 3 / 8 / 2019

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى