التغريبة الأردنية

#التغريبة_الأردنية

المهندس : عبدالكريم أبو زنيمة
آلاف الشباب الأردنيين يفرون إلى بلاد الغربة بحثاً عن لقمة عيش لم يجدوها في وطنهم ، جيل كامل عمره تجاوز الثلاثة عقود ضاعت أحلامه وهو منتظرا لوعود لم يتحقق منها شيء ، هؤلاء الذين ولدوا قبل ثلاثين أو أربعين عاماً كانوا ولا زالوا شاهدين على حكومات تعمل وتكذب بنفس الوتيرة والطريقة ، شباب في عمر الورود يخاطرون بحياتهم متسللين بين حدود دول الغربة بحثاً عن مستقبل يحقق لهم أحلامهم وطموحاتهم ، آلاف الشباب يسلمون أرواحهم ويرهنون حياتهم ومصيرهم لعصابات الإجرام والتهريب على حدود دول الغربة أملاً بالحياة الكريمة ، ومن المؤلم أن الاردنيين باتوا الأكثر خبرة ودراية ومعرفة بطرق ودول وإجراءات وأساليب التهريب البشرية عبر حدود دول العالم ، إنّهم يهربون من اليأس والإحباط وكما يقال ” شو دزّك عالمر غير الأمرّ منه ” جموع الهاربين هذه هي تغريبة أردنية بكل معانيها أنتجتها عوامل طرد داخلية كثيرة وفي مقدمتها السياسية والاقتصادية ، وأخطر ما في هذه التغريبة هو هجرة الكفاءات العلمية المتخصصة التي لم تجد اهتماما وتقديراً ورعاية لها محلياً وهم بالآلاف في الوقت الذي تُفصَّل فيه الوظائف والرواتب الفلكية وكافة الأمتيازات لأبناء من أضاعوا ودمروا الوطن ، هؤلاء المهاجرون كانوا سيغيرون وجه الأردن لو وجدوا العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون وعاشوا في دولة المؤسسات ! لكن نصيبهم أنّهم في بلد توريث المناصب والمكاسب والامتيازات والنفوذ !
ثلاثة عقود ونصف مضت على توقيع اتفاقية السلام التي بُشرنا بأنَّها ستجلب لنا المنَّ والسلوى والأمن والاستقرار ، عقود من الوعود الكاذبة بالغد المشرق المزدهر ، مؤتمرات وندوات ومبادرات بمصاحبة الضجيج والهدير الإعلامي بأنَّ المواطن سيلمس غدا ثمار السلام والتنمية والمشاريع الاقتصادية العملاقة والاستثمارات الدولية ! والنتيجة التي نعيشها اليوم بطالة مرعبة وفقر وجوع ومخدرات ويأس وإحباط وهروب الشباب إلى متاهة الاغتراب عبر مسالك وطرق تنطوي على مخاطر الموت التي يجازف بها الشباب مفضلين إيّاها على الموت جوعا وقهرا في وطنهم بلا عمل ولا أمل .
قبل أيام ألقت الحكومة اليمنية “صنعاء” على مجموعة من الجواسيس أدلوا باعترافات تم بثها عبر وسائل الإعلام المختلفة ملخّصها بأنهم كُلِّفوا من قِبل المخابرات المركزية الأمريكية بمهام تدمير منظومة التربية والتعليم تحت مسمى التطوير من خلال تغيير المناهج وتفريغها من المضمون العلمي والتربوي والتعليمي وإشغال المعلم بالإجراءات والشكليات وإشغال الطالب بالحفظ والتلقين بعيدا عن التفكير والتحليل وبناء المعرفة وذلك بهدف إنشاء جيل جاهل ، وتكليفهم بإفساد الأسرة والمجتمع من خلال نشر الرذيلة والاختلاط والإعلام البذيء وحقوق المرأة والطفل ، وتكليفهم بإقصاء الكفاءات الوطنية عن مواقع المسؤولية وتشويههم وإحلال ذوي الميول الانحرافية مكانهم وتشجيعهم على الفساد ، تكليفهم بإعداد دراسات ومشاريع غير إنتاجية والعمل على تنفيذها بقروض خارجية ، هناك الكثير لا مجال لذكره هنا من اعترافاتهم ، هذه الإجراءات تعتمدها إمبراطورية الشرّ الإرهابية الأمريكية لتدمير الدول دون تدخّل مباشر منها عبر ما يسمى القاتل الاقتصادي للدول ، إذا ما ربطنا هذه الاعترافات بما حدث ويحدث في معظم دولنا العربية فاننا نجد هذه البرامج التدميرية قد نفّذت وتنفّذ بفعالية ، وأن الفقر والجوع والبطالة المستفحل في وطننا العربي ناتجٌ ليس عن شحٍّ في الموارد الطبيعية ولا عن سوء في إدراتها وإنّما هناك جواسيس كُثر عملوا على تدمير اقتصادنا وتعليمنا وثقافتنا وقيمنا .
لن تتوقف هجرة وهروب أبناءنا للخارج ما لم تنظَّف البلاد من كل من تآمر وتواطأ عليها ، ولن يكون هناك اي حملة تنظيف ما لم يتم إصلاح سياسي وطني حقيقي ، فالإصلاح السياسي هو بداية وأساس الإصلاح الاقتصادي والتنمية والازدهار والأمن والاستقرار ، أمّا التذاكي والتهويل بالإصلاحات الوهمية فإنّما هو استبدال زيد بعمرو .. وعمرو بزيد وإمعان في إغراق البلاد بالفساد والتبعية والانهيار .

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى