التعليم العالي في عالم متغير

التعليم العالي في عالم متغير
أ.د. عبدالله عزام الجراح

تولي الكثير من الأنظمة كبير الاهتمام بالتعليم العام والتعليم العالي، باعتباره الأداة والوسيلة الأفضل والانسب لتحقيق اهداف المجتمعات والارتقاء بها نحو أهدافها المنشودة. ويعد الانفاق على التعليم إنفاقا مستحقا ومقبولا، لا بل ومقدما على الكثير من القطاعات العامة لأي دولة تسعى حقا الى ولوج الالفية الثالثة بقوة. ولا يخفى على أحد ما يختلف به عالم اليوم عن عالم الامس من حيث التحديات والمعضلات التي تبرز بين الحين والأخر، وتحتاج الى معالجات جذرية.
ولعل من أبرز هذه التغيرات النظر الى المعرفة باعتبارها المصدر الأهم لاقتصاد اليوم، فبعد ان كانت الموارد والمصار الطبيعية المصدر الأهم لاقتصاد أي دولة او كيان، باتت المعرفة المصدر الأهم وعصب الاقتصاد الحديث. ولعل من الأمثلة التي يمكن سوقها في هذا المجال اليابان، والتي تعد من الدول الفقيرة في المصادر والثروات الطبيعية ولكنها الان من اقوى اقتصادات العالم بفضل المعرفة التي استطاع اليابانيون ان يولدوها وينتجوها في مختلف ميادين المعرفة.
كما ان الثورة التكنولوجية وتكنولوجيا الاتصالات قد أحدثت تغيرات كثيرة وجذرية في حياة الناس، وأضحى مواكبة هذه التغيرات والإفادة منها أحد اهم تحديات التعليم في مختلف دول العام.
ولقد حدثت تغيرات كبيرة وجذرية في مفهوم التعليم والشهادة التي يحتاج اليها الإنسان في حياته، فقد كانت على سبيل المثال لا الحصر عندنا في الأردن شهادة المترك كافية ليعيش الانسان بها حياة حرة كريمة، يستطيع من خلالها الحصول على وظيفة جيدة وراتب مناسب، ثم تراجع المترك، واصبح التوجيهي الشهادة التي يشترط الحصول عليها للوصول الى الكثير من الوظائف، ثم أصبحت الشهادة الجامعية الأولى شرطا لكثير من الوظائف التي كانت شهادة الثانوية العامة او شهادة المترك شرطا لازما لها، ويتوقع وبعد فترة لا اراها بعيدة ان تحل درجة الماجستير بدلا من الشهادة الجامعية الأولى ثم تحل الدكتوراه بدلا من التوجيهي او ربما المترك. فلقد تغيرت طبيعة الوظائف والمهارات التي يحتاجها صاحب العمل، وتعقدت حياة الناس، ما أدى الى تغير في مستوى الشهادات والكفايات والمهارات التي على المتعلم اتقانها واكتسابها.
كما وحدثت تغيرات جذرية في اعداد وانوع الطلبة، فلقد بتنا نعيش الان في مجتمع متنوع من الطلبة، فبعد ان كان التعليم الى عهد ليس بالعيد حكرا على الرجال أصبحت نسب الاناث مساوية فيه لنسب الرجال، لا بل قد تفوق نسب الطلبة الذكور، وبعد ان كان التعليم العالي محصورا في فئات اجتماعية واقتصادية محددة، اصبح متاحا للجميع، وبعد ان كانت المدارس والصفوف منغلقة ومعزولة، أصبحت البيئة التعليمية مفتوحة وبيتا لجمع من الطلبة من شتى الأعراق والمنابت، وامام هذا التنوع والتغير فان الجامعات مطالبة بالتنوع في طرائق التدريس لتواكب وتعالج كل هذه التغيرات، ومطالبة بتقديم المعارف اللازمة.
ولقد جاءت فكرة التعلم المستمر او المستدام، استجابة طبيعية للتغيرات التكنولوجية والقضايا المعقدة الي بدأت تظهر في اغلب المجتمعات الحديثة. ان توفير فرص عمل كافية ومناسبة والامية التكنولوجية وتعقد المشكلات البيئية والتعدد العرقي الثقافي امثلة على بعض هذه التغيرات والتي تحتاج منا جميعا ان نعد طالبنا ليكون قادرا على التكيف معها ومعالجتها في عالم سريع التغير.
ولان الطالب او المتعلم وقد تحققت لديه الأهداف (اهم مدخلات أي نظام تعليمي)، والأستاذ المؤهل، اهم عناصر العملية التعليمية، فان بقية العناصر الأخرى تعمل عناصر مساندة لتعليم الطالب وتحقيق الأهداف. ان نقل المعرفة من الأستاذ الى الطالب، لم تعد غاية الان، لا بل ان الطالب اليوم شريك في عملية التعلم، ومطلوب من الأساتذة، ان يصلوا بالطلبة الى تقييم المعرفة وتطويرها، لا بل وانتاجها. والاتجاهات الحديثة في التدريس تقوم الان على مبدا توفير المعرفة للطالب متى أراد، وكيفما أراد، ووقتما أراد، وهذا ما يمكن ان توفره تكنولوجيا التعليم. ففي الصف التقليدي يجلس الطالب ويسمع ويكتب ملاحظات الأساتذة وتكون المعلومة مقدسة، بينما في الصف الحديث، المعرفة مكتسبة، ويشارك الطالب أساتذته في الوصول اليها وتقييمها وتطويرها لا بل وانتاجها، لان التدريس شراكة وتعاون.
جامعة مؤتة
كلية التربية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق