التخصصات الراكدة وغير الراكدة…العيب في المحتوى!

التخصصات الراكدة وغير الراكدة…العيب في المحتوى!
الدكتور ذوقان عبيدات

يكثر الحديث منذ مدة عن حفز الجامعات على إلغاء بعض التخصصات مما سميت بالتخصصات الراكدة أي أنها التخصصات التي لا يجد خريجوها عملًا، وشدني أمس حديث د. الناصر رئيس ديوان الخدمة المدنية في هذا المجال، وكان حديثًا واعيّا يستند إلى مسلمتين:

– المسلمة الأولى: أن هناك ارتباطًا بين الجامعة وسوق العمل، وإن من يلتحق بالجامعة يهدف إلى إيجاد وظيفة، ولذلك يجب الالتحاق بتخصص يوفر عملًا بسهولة.

– المسلمة الثانية: إن سوق العمل ثابت غير متغير، فالعمل المتاح اليوم هو نفسه بعد أربع سنوات، ولذلك فإن الملتحق بالجامعة يجب أن يعرف كيف يختار.

وترتبط بهاتين المسلمتين قضايا عديدة في مقدمتها إن الطالب يعد لعمل ما، وأنه سيعمل في تخصصه طوال حياته! كما أن الجامعة هي الثابت، وأن برامجها مقدّسة، ولا يجوز أن تتغيّر، إما أن توفرّ لك عملاً، أو تغلق هذا التخصص أو ذاك!

أنا أقارب هذا الموقف بأن الجامعات ليست مسؤولة عن إعداد الطلبة لتخصصات مهنية معينة بمقدار إعدادهم لحياة متغيرة ومهن متغيرة، والإنسان يمارس مهنته من ست إلى ثماني ساعات يوميّا، فماذا يفعل في باقي الساعات!!

ألا يجدر أن تتحدث الجامعة عن كيف نعلّم الطلبة كيف يعيشون حياتهم كلها وليس ست ساعات فقط؟

إن اهتمام الجامعة بتخصص معين قد يؤدي إلى إعداد مختصين لا يعرفون الحياة خارج تخصصاتهم.

هل العيب في التخصص أم في محتوى التخصص

ليس هناك تخصصات راكدة وأخرى متحركة، بل هناك برنامج ومنهاج راكد أبدًا، إن تخصصًا مثل التاريخ أو اللغة أو العلوم لن يكون راكدًا إذا عمد القائمون عليه بتطوير محتواه وتحديثه، والتركيز فيه على إطلاق قدرات الطلبة وحفز إبداعاتهم، إن الجامعة تقدم برنامج التربية الابتدائية ليكون الخريج معلمًا، وكذلك برنامج التاريخ أو العلوم وغيرها، فإذا أغلق باب التوظيف يتهم التخصص بأنه راكد، فلماذا لا تهتم الجامعة بتحريك محتوى تخصصاتها لتعطي الطلبة خيارات متنوعة وتحفزهم على خلق فرص عمل لا وظيفة، فلماذا لا تعمل الجامعة على تطوير تخصص التاريخ، أو أي تخصص آخر لتلهم الخريجين على إيجاد مشروعات عمل ريادية مثل:

– حفظ وثائق تاريخية أو أدوات تاريخية مثل: أسلحة، أدوات …إلخ.

– فتح محلات للأزياء والملابس عبر عصور مختلفة.

– فتح محلات لبيع أداوت تاريخية حديثة أو قديمة.

– إعداد مسرحيات تاريخية أو كتابة نصوص تاريخية تعكس عصرًا معينًا.

– تصنيع مقلدات تاريخية: أدوات، ملابس …إلخ.

– جمع شواهد تاريخية: طوابع، لوحات، …إلخ.

ولو اجتمع فريق عصف فكري من مختصي التاريخ لابتكروا عشرات المهن ذات الصلة بتخصص التاريخ، فالركود إذن ليس في تخصص التاريخ بل في المفاهيم السائدة لدى بعض المسؤولين عن برامج الجامعات.

إنهم جميعًا يخضعون لمسلمات قديمة تحتاج إلى فحص وتدقيق، فالجامعات ليست ديوان خدمة مدنية، كما أنها إعداد للحياة وليس للعمل!!

المطلوب تطوير التخصصات الجامدة وتغيير مناهجها لا إغلاقها.

كل تخصص راكد يمكن إذا أُعيد تنظيمه أن ينتج عشرات مجالات عمل.

ولنعرف جميعًا أن سوق العمل متغير باستمرار، ولن نجد موظفًا يجلس في نفس المكان ونفس الوظيفة مدة ثلاثين عامًا.

هناك فلسفات جديدة للعمل: أين الجامعات، وأين ديوان الخدمة المدنية منها؟؟

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق