البَطالة في اِزدياد / سلامة الدرعاوي

البَطالة في اِزدياد

بات واضحاً أن مُعدّلات البَطالة مُنذ عام ٢٠٠٨ وهي في اِتجاه صعوديّ مُخيف ارتفعت من ١٤ بالمئة في ذلك الوقت إلى ١٩ بالمئة في الربع الأول من عام ٢٠١٩، والسؤال المطروح على الدوام: أين يسير اِتجاه مُعدّلات البَطالة في المملكة خلال المرحلة المُقبلة؟

للإجابة على هذا التساؤل الهام لا بد من تناول بعض المُعطيات الاقتصاديّة خلال المرحلة الحاليّة والتوقعات المُستقبليّة، حتى نصل إلى تصوّر تقريبيّ يُجيب عن هذا السؤال.

النُمُوّ الاقتصاديّ المُتحقق في الربع الأول من هذا العام لا يتجاوز الـ٢ بالمئة، والتقدّيرات الأوليّة لعام ٢٠١٩ تُشير إلى أنها ستكون بحدود الـ٢.٣ بالمئة، مما يعني أن مُعدّلات النُمُوّ ستبقى بحدودها الدنيا في المرحلة المُقبلة، وهذا يعني ببساطة أن الأنشطة الاقتصاديّة الإنتاجيّة في الاقتصاد الوطنيّ ستبقى على حالتها دون توسّع له أثر في استحداث وظائف جديدة في الاقتصاد.

ارتفاع الصادرات الكليّة في الشهور الخمسة الأولى من هذا العام بنسبة ٣.٧ بالمئة مقارنة عما كان عليه خلال نفس الفترة من العام الماضي مؤشر من الناحية النظريّة بالإيجابيّة، لكن بالتحليل نجد أن غالبية النُمُوّ بسبب زيادة صادرات الألبسة من المناطق الصناعيّة المؤهلة ذات القيمة المُضافة المُنخفضة والمصدّرة للسوق الأمريكيّة، إضافة إلى ارتفع صادرات البوتاس، في حين أن صناعات لا تمتلك اليوم فُرصاً للزيادة بالنُمُوّ في أنشطتها على المدى القريب.

أعداد الخريجين السنويين من الجامعات والكليات والمدارس المُتجهين لسوق العمل يبلغ في المُعدّل السنويّ ١٥٦ ألف خريج بمختلف المستويات، مقابل قدرة مَحدودة للاقتصاد الوطنيّ في إيجاد فرص عمل لا تتجاوز في أفضل حالت النُمُوّ الاقتصاديّ المتحقق خلال السنوات الـ١٥ الماضية على ما يقارب الـ٥٦ ألف فرصة عمل يتقاسمها القطاعين العام والخاص، في حين تستحوذ العمالة الوافدة أيضا على نصف فرص العمل المتاحة في القطاع الخاص، فكيف الحال اليوم فإن مُعدّلات النُمُوّ الاقتصاديّ تراجعت من ٦ بالمئة في عام ٢٠٠٧ إلى ٢ بالمئة كمُعدّل في السنوات العشر الأخيرة؟.

خطة إعادة هيكلة العاملين في القطاع العام وإحالة كُلّ من بلغت خدمته ٣٠ عاما للتقاعد وتقديم حوافز لِكُلّ من بلغت خدمته الـ٢٥ عاما للخروج للتقاعد هو الآخر من المرجح في حال تنفيذ هذا القرار الذي بدأ فعليّاً أن يتجاوز عدد المحالين على التقاعد إلى أكثر من ١٠ آلاف موظف في القطاع العام، هنا يكّمن التحديّ في كيفية التعامل مع الفراغ الوظيفيّ الذي يشغله عملية اختبار التقاعد، فإذ التزمت الحكومة بتعهداتها بعدم التعيين بدلاً منهم فأنها بذلك تتجه نحو إصلاح القطاع العام من ناحية تخفيض أعداده الكبيرة، وبالتالي البدء بعمليّة أرشيف له، حينها ستحقق الخزينة تخفيضات في مخصصات الرواتب للعاملين في القطاع العام، لكن بالمقابل إذا لم يتم التعيين في أجهزة الدولة ومؤسساتها المُختلفة والالتزام بقانون الموازنة الذي يحظر التعيينات ويحصرها في التربية والصحة تحديداً، فما هو مصير الخريجين الجدد والقدامى في سوق للعمل؟، وفي حال التعيين فأن الخزينة ستتحمل أعباء ماليّة نتيجة نفقات الراتب التقاعدية الجديدة ورواتب العاملين الجدد، حينها ستفشل كُلّ جهود عمليات ضبط للموازنة وترشيد للنفقات مما يشكل ضربة موجعة للإصلاح الماليّ.

حالة القطاع الخاص اليوم واضح أنها لا تسر صديقاً ولا عدواً، بالقطاعين التجاريّ والصناعيّ على حدٍ سواء دخلا في منحنيات سلبيّة للغاية ونفق اقتصاديّ مُظلم نتيجة حالة الركود التي تسيطر على أجواء الاقتصاد الوطنيّ من جهة، وحالة عدم اليقين لدى المستهلك والمستثمر معا من جهة أخرى، وذلك نتيجة التحدّيات التراكميّة التي تحيط ببيئة الأعمال المحليّة والعقبات التي تقف دون نُمُوّ الأنشطة الاقتصاديّة المُختلفة، لا بل أنها تُهدد حتى استمراريتها، ولا يوجد في الأفق القريب ما يبدوا انه حالة انفراج تقترب من المشهد الاقتصاديّ.

على ضوء المعطيات السابقة مُضافاً عليها التحدّيات الماليّة التي تُعانيها الموازنة العامة وتراجع بعض الإيرادات وتزايد الاعتماد على المساعدات الخارجيّة فأنه بات واضحا أن مُعدّلات البطالة في اتجاه صعوديّ في المديين القريب والمتوسط، وهي بذلك مرشحة فوق العادة لتجاوز مُعدّلات قد تكون غير مسبوقة من أزمة الدينار سنة ١٩٨٩، فهل تمتلك الحكومة اليوم نظرية استراتيجيّة أو خطة طوارئ لمواجهة هذا الكابوس الذي يهدد أمن واستقرار المجتمع؟

Salamah.darawi@gmail.com

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق