الأردني… عندما يتواطأ مع «الفيروس» / بسام بدارين

من المشاهد الصادمة في هذا التوقيت الصعب والمعقد، رؤية أردني يجمع أولاده مع زوجته وأقاربه في الشارع العام أو على جنبات طريق المطار أو في المتنزهات متحديا توجيهات وتعليمات الحكومة بخصوص البقاء في المنازل وعدم الاختلاط قدر الإمكان.
يحتاج عقل الأردني الذي يفعل ذلك لتحليل عميق، فمن غير المعقول أن يعتقد المواطن أن الحكومة تبالغ في أزمة فيروس كورونا ومن غير المعقول أن يتصرف كما كان يتصرف دوما على أساس أن جائحة فيروس كورونا هي أقرب لعرس عند الجيران وعلى أساس أن نمطه الاجتماعي مضاد لصواريخ الأمراض في الكرة الأرضية. لا حاجة لمثل هذا المشوار في الوقت الذي تعزل فيه ألمانيا نفسها عن أوروبا ويغني الإيطاليون على شبابيك منازلهم.
شاهدت بعيني ثم تحادثت مع شاب قال في الشارع العام إنه يتحدى كورونا ثم اندفع يتبادل القبل والأعناق مع صديق له أمام الناس وبكل جهل ورعونة. كما يصر البعض على إقامة احتفالات أو أعراس أو دور عزاء في وقت الكارثة والمصيبة.
ولا يسأل بعض المواطنين عن أحبائهم أو صحة أطفالهم أو الأعزاء عليهم بقدر ما يستفسرون عما سيجري في شهر رمضان، وعن تلك الولائم المختلطة والتي يهدر فيها الطعام دون تقصد أو إدارة خلافا حتى لأحكام الشريعة الإسلامية.
بعض السلوكيات في الشارع من الأهالي تستحق النقد وتثير الاستهجان مع أن وزيري الصحة والإعلام واصلا التحذير والتنبيه ومع أن الحكومة التي نعترض طبعا على الكثير من سلوكها في المقابل كادت تتوسل المواطنين تجنب الاجتماعات والبقاء في المنازل قدر الإمكان.
بعض الأهالي رفضوا الإصغاء إلى المفتي العام وإلى وزير الأوقاف وإلى كل المشايخ الذين يحذرون من صلاة الجماعة في مكان مغلق، فقرر هؤلاء فتنة الناس والمزاودة دينيا على الجميع بإقامة صلوات الجماعة في الشارع العام وأمام بوابات المساجد فقط نكاية بالسلطة ودون أي مسوغ عقائدي حقيقي أو أخلاقي سلوكي، ونظمت تلك الصلوات الفردية وسط التراب وعلى الأرصفة حيث الميكروبات والجراثيم.

ما الذي يعنيه في السلوك الاجتماعي الأردني أن يقرر مريض راشد وعاقل الهرب من مركز العزل الطبي ثم يتبجح ويظهر على شاشات الإعلام منتقدا عدم وجود شرشف على سريره في العزل؟
ما الذي يعنيه أن يوفر النظام العائلي والاجتماعي وأحيانا العشائري فرصة للفيروس الفتاك لكي يستقر، وأن نشهد تواطؤا مخجلا في هذا السياق لا معنى لها من بعض الشرائح إلا في سياق الجهل والرغبة في إيذاء الذات والحياة؟
لست من مداحي السلطة بالعادة لكنها فعلت ما تستطيع أن تفعله في الوقت الذي انهارت فيه دول عظمى وكبرى وهي تواجه الخطر الأممي الآن. لكن من المعيب أن يترك بعض الناس ومن باب ممارسة النقد الدائم والموسمي الجانب الإيجابي في برامج السلطة وتجهيزاتها ويركز على سلبية هنا أو هناك أو نقص هنا أو هناك.
معيب جدا أن يقرر سجين ما عدم إظهار أي تفهم لوضع أهله فيحاول الفرار من السجن في وقت أزمة من هذا النوع وفي بلد يعرف الجميع إمكاناته.
الموقف جد خطير في الحالة الاجتماعية وما نراه اليوم من سلوكيات سلبية يبعث على القلق فلا يوجد نظام في العالم يمكنه هزيمة فيروس كورونا دون تعاون المجتمع والناس وللأردنيين اليوم عبرة لها علاقة بالمشهد الايطالي وبكلفة التساهل والإصرار على سلوكيات خاطئة من التواصل.
معيب بالمقابل على وسائل الإعلام وبعض منصات التواصل أن تواصل الاصطياد في المياه العكرة فتعيق جهدا أو تربك السلطة وهي تصطاد شائعة أو تلاحق ضحية للمرض وتكشف أسراره الاجتماعية والعائلية والصحية بطريقة لا علاقة لها بأخلاق مهنة الإعلام. إعاقة السلطات اليوم ليس بطولة والحديث عن نواقص بسيطة خلال معركة لا يمكنه أن يعبر عن إحساس وطني. ثمة نواقص بالتأكيد ومشكلات وتحديات وثمة ملاحظات حتى على النظام الصحي. لكن الوقت ليس ملائما للتلاوم ولا لانتقاد بعضنا البعض ولا للاسترسال في التكهن والاجتهاد.
والوقت ليس ملائما إطلاقا لأن يتمسك أي مواطن أردني بسلسلة بالية وسقيمة وتكاد تكون تافهة في زمن الأزمة الصحية ويمكن طبعا ودوما الاستغناء عنها.
من العادات والتقاليد التي لا معنى لها ومن تلك المناكفات التي تصر على الاختلاط والاحتشاد وتقدس الرياء الاجتماعي وأنماطه على حساب قيمة الحياة وصحة الإنسان. سبقنا الجميع دوما في مطاردة السلطات وملاحقة الأخطاء والحديث عن أدوات إدارة بائسة. وسبقنا الغالبية من المعلقين في رفع سقف النقد وأحيانا المعارضة بنوازع وطنية وقلنا بأن الجاهزية الإدارية لمصيبة فيها علة وخلل لا بد من إصلاحه. لكن اليوم تتغير المعطيات ولا سبيل أمام المواطنين إلا لتعديل سلوكهم والالتفاف حول مؤسساتهم.

إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق