الآن … ماذا نريد من الصحافة؟! / المحامي عبد الرؤوف التل

الآن … ماذا نريد من الصحافة؟!
المحامي عبد الرؤوف التل

حقيقة لا يمكن أن يماري بها أحد وهي أن الصحافة أصبحت جزءا من الجهاز السياسي للأمة، لأنها بطبيعتها مرآة لمختلف الأنشطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، بل أنها أصبحت أداة من أدوات تطوير الحضارة لا سيما أن الصحافة كما يقال تملك سلاحين: سلاح المعرفة وسلاح الدعاية.
ويقول الفيلسوف الكبير هيجل: آن قراءة الصحف اليومية اصبحت عند الرجل الحديث مثل صلاة الصباح. لقد أصبحت قراءتها -يوميا شيئا معتادا للرجل الحديث لا يستطيع الإقلاع عنه. والواقع أن الصحافة كانت وما زالت وستبقي اقوى وسائل الاعلام تأثيرا على حياة الشعوب حتى وان كانت وسائل الإعلام الأخرى أكثر اثارة وجاذبية وأكثر تسلية إلا أن الصحافة أكثر تأثيرا في القارئ.
لماذا؟ لأن أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة وكذلك وسائل الإعلام الإلكترونية الحديثة لا تقدم تفاصيلا متكاملا عن الحدث الذي تتطرق اليه حيث تذكر مقتضيات موجزة وفي الغالب الأعم تكون موجهة باتجاه مغاير لحقيقة الحدث وهذا يثير في الانسان الرغبة في معرفة الحدث عن حقيقته ، وهنا يأتي دور الصحافة التي تبث عيونها ومندوبيها في كل مكان ، وترجع للتاريخ وتتقصی كل الحقائق لمعرفة الحدث بتفاصيله ومعرفة الأسباب والموجبات التي صنعته، وبذلك يعرف القاري الحقيقة بكل جوانبها على خلاف ما يعرفه من وسائل الإعلام الأخرى بصورة مقتضبة ، وبعبارة أخرى نقول : إن الصحافة تقدم تفاصيل وافية ، وأجهزة الإعلام الأخرى تقدم رؤوس أقلام عن الحدث ، لذلك فإن الاذاعة والتلفزيون يعملان على نشر الحدث على نطاق شعبي واسع لكن من طبيعة الانسان انه يريد معرفة تفاصيل الحدث وتسلسل مجرياته وهذا لا يجده الا في الصحف اليومية.
ومن مزايا الصحافة العامة أنها تضع المشاكل التي يعاني منها الشعب بفئاته المختلفة تحت دائرة الضوء وتعمل جاهدة لإيجاد الحلول اللازمة لكل مشكلة يعاني منها الناس وتتصل بأهل الدراية والخبرة وتطلب منهم أن يدلوا بآرائهم في المشكلة المطروحة وكيفية ايجاد الحل الناجع لها. وحتى تؤدي الصحافة دورها في معركة الاصلاح والتنمية والتقدم لأي شعب من الشعوب لا بد لها من ذكر الأخطاء والانحرافات في مسيرة العمل العام لأنها عين الشعب الساهرة، المندمجة مع الشعب في حياته في آلامه وأحزانه وآماله وطموحاته وتطلعاته الى حياة كريمة. وبذلك تتحول الصحافة الى طريق مضيء يسير به الناس غير هيابين وهي بذلك ايضا تذكر لصاحب القرار الحقيقة كل الحقيقة لمعالجة الخطأ، ومن ثم الضرب بيد من حديد على مسببي الخطأ والانحراف الصحافة كما قال أحد كبار کتابها في الغرب حياة متكاملة ليست مهنة فقط يعمل بها الانسان بقصد الكسب، مثل أية مهنة اخرى فهي في جانب ضيق مهنة وفي المدى الواسع لها نمط حياة معين مثل حياة المزارع الذي يجد في الزراعة اسلوبا للعيش يحقق فيها سعادته في الحياة الدنيا ومن أجل نمط حياته كمزارع يرفض حياة المدينة وما فيها من اضواء واغراءات لا يجدها في حقله وهو يسير خلف محراثه أو وهو يقبض المعول ليحفر به الأرض وينسق حديقته . من يحترف الصحافة مكلف بان يدرس الدنيا والعالم والناس ، وعليه أن يدرس التاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد و ان يطلع على الجريمة والعقاب والسلم والحرب ، والأدب والعلم لأن كل هذه الدراسات لا بد منها المحترف الصحافة الذي إذا كتب عمودا او تحقيقا او علق علي حدث يكون على دراية كاملة بما يكتب عنه، لذلك يقال ان الصحافي ” رجل عام ” اذا عالج قضية من القضايا عالجها بكل جوانبها بعقل منفتح وأفق واسع فلا يحصر نفسه بزاوية ضيقة بحيث يقدم عما يكتب قصاصات ” لا تغني ولا تسمن من جوع ” مما يوجب على العاملين في الحقل الصحفي توسيع دائرة معارفهم وثقافتهم في التاريخ والسياسة والأدب يأتي وكل العلوم والسياسة والأدب وكل العلوم.
فالصحافي الناجح الذي يعيش حياة الصحافة وحسها المرهف الدقيق لا بد ان يكون ” دائرة معارف ” وعليه أن يدرك انه لا يمثل نفسه و هو يسجل الحدث او الواقعة بل يمثل المجتمع ويكتب للناس، والقاعدة العريضة من جماهير الشعب واذا كان النائب العام يمثل ” خزينة الدولة في الحفاظ على الأموال العامة وبحرك الشكوى الجزائية ، ويأمر بالقبض على المجرم ويصدر لائحة الاتهام باسم الحق العام ، وباسم المجتمع فإن الصحافي باسم المجتمع يبحث عن الحقيقة ويسعى للكشف عن الخطأ والإشارة اليه ، وبيان الصواب والتركيز عليه حتى يعرف القاري الحاكم والمحكوم الخطأ، وأين يوجد ليبتعد عنه والصواب أين يوجد ليتمسك به.
وحتى تؤدي الصحافة دورها وتعمل على تحسين قيمة ما تنشر من أخبار وتحليلات توصي المؤسسات العالمية الصحافيين وكتابها بما يلي:
1- معرفة حضارة الشعوب وتاريخها.
2- تنمية المصداقية والتجرد عند ذكر الأحداث والوقائع، وذلك حتى يكون القارية بالصورة الحقيقية للأحداث والوقائع حتى يتمكن من الحكم لها أو عليها.
3- وحتى يؤدي الصحافي دورة لا بد أن يكون حس الشعور بالمسؤولية عنده قويا من مختلف النواحي المعنوية والاجتماعية.
ويلاحظ أن هذه الأمور مهمة جدا في تكوين الصحافي وتساعد على تحسين وتطوير الخدمات التي تقدمها الصحافة للأمة، والصحافة التي تؤدي دورها في المجتمع، عليها أن تحترم الناس وعقولهم.
وفي هذا الوقت الدقيق الذي يمر به الأردن والوطن العربي المتفجر بجماهيره الغاضبة فإن امام الصحافة دورا تاريخيا لا بد ان تؤديه بأمانة وصدق وبكل التزام لاأها أي – الصحافة – أقوى اجهزة الاعلام تأثيرا في الناس، ولأنها الجسر الذي يمر عليه المواطن الى الحكومة ليطلعها على الواقع الذي يعيشه الشعب وبذلك تكون الصحافة مرآة حقيقية تعكس آمال وآلام الشعب حتى يتمكن من بيده القرار من معالجة الأخطاء والسلبيات بحكمة وروية ويضع الحلول المناسبة لكل المشاكل
أجل.. أن على الصحافة والصحافيين في الأردن ان يعيدوا النظر بأسلوب تعاملهم مع الأحداث، ومع الواقع المتفجر الذي يطالب بالتغيير إلى الأفضل واعادة النظر تعني التغيير لأن الجماهير في العالم العربي ” ترعد ” الآن وشوارع المدن العربية سيل فيها الدماء أنهارا تطلب من الجميع أن يتركوا ” الشرانق ” بيت التي كنا بها تنفي.. وتنطلق الى العالم الرحب الى الحياة من أجل أن يسهم كل العاملين مواطن صغيرا أمان أو كبيرا، فقيرا أو غنيا في معركة الإبداع والعطاء الدائم من اجل الإصلاح والتطور والتقدم والتغيير الذي لا بد منه للصحافة هو أن تعتمد الحرية حتى تتمكن من اعادة النظر في العقلية السياسية التي حكمت المنطقة العربية في أعقاب الحربين العالميتين في القرن الماضي والتي أسهمت بإضاعة العباد والبلاد وصرفت ثروات خيالية كان يمكن أن تجعل العرب في مصاف أقوى الأمم على الإطلاق لا سيما أن لها رصيدا حضاريا وقانونيا وفكريا ليس لغيرها واحد بآلاف من رصيدها ، ومع ذلك لم تتقدم الأمة الى الأمام وذلك بسبب العقلية السياسية التي لا بد من معرفتها ودراستها لماذا أوصلت الأمة العربية الى ما وصلت اليه من تخلف وانكسار؟!
والتغيير الذي لا بد منه للصحافة وهي تعتمد الحرية.. دراسة ظاهرة الفكر ومدارسه المختلفة التي انتشرت في الأردن والعالم العربي ومعرفة هذه الأفكار كيف جاءت؟ ومن الذي روج لها؟ وهل تصلح هذه الأفكار لأمتنا؟ وهل هي قادرة على النهوض بنا من الكبوة التي تعاني؟ أم هي أفكار توجد صراعا للأمة وتفتعل معارك، تعوق النهضة وتجعل من أبناء الشعب بعضهم أعداء لبعض؟ والتغيير الذي لا بد منه للصحافة وهي تعتمد الحرية الاعتناء بالكلمة.. كيف فقدت دورها؟ وكيف أصبحت جوفاء خالية من المعنى؟
كيف أصبحت خالية من الارتعاش والانفعال؟ كيف أصبحت الكلمة جليداً وقد كانت طوال مرحلة الحضارة الإسلامية شعلة نار تتوهج وتتشامخ وتترك أثرا عميقا في حياة الناس لصدق الذين ينطقونها وكانت تنقل الفكر الذي يعبر عده بالكلمة الى واقع عملي.
أجل أن الصحافة الحرة هي التي تعيد للكلمة الحياة والتوهج. وهذا ما نريده من الصحافة في معركة الإصلاح التي يخوضها الأردن الآن.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق