اكرهيني كما شئتِ ، فأنا لا أحبكِ /د. فايز أبو شمالة

اكرهيني كما شئتِ ، فأنا لا أحبكِ

دق قلبي عندما سمعت صوتاً نسائياً عبر الهاتف يسألني بالعبري: هل أنتَ فايز؟

نعم. أنا فايز، فمن أنتِ؟

قالت: أنا ‘حاموتال بار يوسف’، وأغلقت الهاتف.

لقد أصابني الذهول لفترة من الزمن، فلماذا اتصلت هذه؟ لماذا سألت، وحين تأكدت من شخصيتي، أغلقت؟

كنت أعرف أنها شاعرة يهودية، يمينية متطرفة وحاقدة، عملت أستاذة للأدب العبري في جامعة بئر السبع، مات أخوها في طريقة للهجوم على القدس سنة 1947، وكانت قد أرسلت لي ديوانها الشعري بعنوان ‘غذاء’ وديوان آخر بعنوان ‘ليلة صباحاً’.

لقد كنت حريصاً على الحديث معها عبر رسائل البريد الإلكتروني بكل الأدب والذوق والإنسانية، بعيداً عن رأيي السياسي فيما تكتب، وكانت هي ترسل إليّ كل جديد، وكل ما كتبه النقاد عن أشعارها، إلى أن أرسلت لي يوماً تسألني: من أين أنت؟ قلت لها بكل براءة وعفوية: أنا من غزة.

وكانت المفاجأة بالنسبة لها، فالشاعرة اليهودية “حاموتال بار يوسف” كانت تحسبني كل الوقت يهودياً، ولم يخطر في بالها أن الذي يتواصل معها عبر البريد؛ هو إنسان عربي فلسطيني من سكان قطاع غزة. لذلك أعادت علي السؤال: هل حقاً أنت عربي من غزة؟

قلت لها: نعم

قالت: لا يمكن أن أصدق ذلك؟! من أين لك هذه اللغة العبرية الفصحى؟

قلت: من السجون الإسرائيلية، ومن ترجمة الشعر العبري.

لقد حاولت أن أؤكد للشاعرة اليهودية أن دراسة الأدب تعتني بفنية الأداء، وتراكيب القصيدة، وأغراضها الشعرية بموضوعية تامة بعيداً عن الدين والقومية ومكان السكن، ودراستي للدكتوراه تختص بالشعر العبري والشعر العربي على أرض فلسطين، ويشرف على الشق العبري من الدراسة الدكتور رشاد الشامي أستاذ الأدب العربي في جامعة عين شمس.

لم تصدق الشاعرة اليهودية أن العربي إنسان، يمكنه تعلم اللغة العبرية، ودراسة الشعر العبري، والتعامل معها بإنسانية، والكتابة لها بهذا الأسلوب الأدبي المهذب، فالعربي من وجهة نظرها وحش، وسارق، وفاسق، وقاتل، ومخرب إرهابي، لذلك كان تعاملي معها بأدب مخلخلاً لوجدانها المعبأ كراهية، فطلبت رقم هاتفي الأرضي الذي تشير أرقامه للمكان.

وفعلاً، لقد اتصلت بعد عدة أيام على هاتفي الأرضي في خان يونس، كي تتأكد أنني عربي فلسطيني أسكن قطاع غزة. لذلك اقتصر سؤالها على جملة: هل أنت فايز؟

المفاجأة كانت في اليوم التالي، حين وصلتني رسالة تتضمن قصيدة الشاعرة المنشورة ضمن مجموعة 66 شاعراً يهودياً، والتي ترجمتها من العبرية إلى العربية على النحو التالي:

هذا السرير لي، كيف لم تشعر بهذا منذ زمن

أيتها الذبابة الطنانة المتوحشة

أنا لا أحتاج غناءك

أنا في حاجة إلى هذا المكان،

إنه سرير آبائي

أما أنت، فقد جئت بالخطأ لتنام هنا

وشال الناموسة هذا ليس لك، فلماذا مزقت نسيجي؟

لا أخال عربياً يجهل أن المقصود بلفظة السرير هي أرض فلسطين، وإنها حق لليهود وحدهم، لأن الوجود العربي على هذه الأرض قد جاء بالخطأ، وبقاء العرب لا يعني إلا مواصلة تمزيق النسيج الحياتي المتآلف لليهود على أرض آبائهم، كما يزعمون.

ملاحظة: النكبة الفلسطينية لا تقف عند حدود اغتصاب الأرض، وتشتيت الشمل، والنكبة لا تقتصر على مساعي عدونا لتطهير عقولنا وأفكارنا ووجداننا من عشق أوطاننا، والنكبة ليست محاصرة العدو لمقاومتنا، واتهامنا بالإرهاب الذي يمارسه ضدنا، إن نكبتنا الحقيقية هي حقد بعضنا المشرد على المقاومة أكثر من حقد عدونا، بعض الفلسطينيين الذين يرضعون حليب الوطن في الصباح، ويخرجون زفيراً ً وانزعاجاً من المقاومة في المساء.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق