إنَّا راغبون في الحبِّ / د. سمير ايوب

إنَّا راغبون في الحبِّ ،
ثرثراتٌ في الحبِّ – الثرثرة 41
كنتُ أعبر سيراً على الأقدام ، الحديقة الجميلة الفاصلة مبنى مدرجات التدريس في كلية الطب ، والمجمع الرئيس لإدارة الجامعة ، حين سمعتُ صوتاً هاتِفاً يُناديني ، إلتَفَتُّ إلى مصدر الصوت ، فوجدتُ حفيديَ طالب السنة الأخيرة في كلية الطب يُلَوِّحُ ليَ فَرِحاً . توقفتُ لأردَّ التحية . فأحاط بي حفيدي ورهطٌ ممن كانوا برفقته من الطالبات والطلبة في زيِّ التَّخرج . أجلسوني بينهم على كرسي ، وافترشوا جميعا عشب الارض . علمت وأنا أشاركهم طقوس فرح التخرج ، والأمل في الحياة وأحلامها ، أنهم من مَواطِنَ عربية عديدة ، نهلوا لسنوات معا علوم الطب والصحة ، في هذا الصرح الأردني العريق .
قبل أنْ أستأذنَ ، تقدمتْ مني صبية تلبس الروب الأبيض والسماعة الطبية حول رقبتها ، وقالت وابتسامتها تتسع : عرفناك يا سيدي قبل أن نلتقيكَ الآن ، فقد سبق لحفيدك أنْ حدَّثنا عنك كثيرا . غامَزَت زميلاتَها وزملائَها ، وأكملتْ تقولُ لي : بالنيابة عن الحضور ، أستأذنك في كمشة أسئلة عن فقهِ الحبّ . قَهْقهتُ مُطوَّلا وأنا أجيلُ النَّظرَ فيهم ، وهُمْ جلوسٌ أمامي على عشب الحديقة .
تقدم مني حفيدي وأمسك بكف الصبية ، وقال وعيناه تومض رجاءً : الحياةُ دونَ حبٍّ يا جدي عاصفةٌ مُغْبَرّةٌ لا يليق بنا العيش فيها . جِئْتناكَ وكلٌّ مِنَّا شابات وشباب ، يجري حثيثاً إلى مُستَقَرٍ له مع شريك . أوصِنا يا شيخَنا ، خُذ بِأيدينا ، جُلُّنا غارقٌ في غِيطانِ الحبِّ أو يَكاد .
أجلستُ حفيديَ وزميلته وهما في الزي الجامعي الأنيقِ أمامي مباشرة ، في صحنِ الحديقة حيثُ كنا جميعا نجلس ، والشمس تجري وحيدة الى مستقرلها . أدركتُ حين نظرتُ لهما ، أنَّ حفيدي وقد بَرَزَتْ شارباه حديثا ، قد رزقه الله حبَّهُ الأول كغيره من الحضور . مازَحْتهم لأبدِّدَ شيئا من قلقٍ رجراجٍ ، كان يجوسُ في عيونهم العسلية والزرقاء والخضراء والسوداء . وقلتُ مبتسما : خاصةً وأنَّكم لم تعودوا صِغارا يا شباب . لستم بمراهقين ، ولستم راشدين ، بل مقبلبن وفي أجمل سني العمر . تجمعون براءة الصبا ، وطيش الشباب مع رزانة نضج مبكر. نعم ما أصعب التيهَ في مثلِ هذا العمر ، فأكثركم يجوس في الحب بلا خبرة أو كثيرِ معرفة .
وسطَ الكثير من التنهدات ، وارتعاشات الرموش وارتجافات الشفاه ، تَقدَّمَتْ مني صبية وشاب كلاهما في زِيِّ التخرج ، ممتلئان فرحا ، تبادلا النظرات المُشفَّرةِ ، قبل أن يسألني الوسيمُ : كيفَ يُقرأ الشريكُ يا شيخنا ؟
قلت بجدية رزينة : بالعقل تغزون قلاع بعضكم ، وبالقلب تتسللون إلى حصون بعض . وفي الغزو أو التسلُّلِ لستم بحاجة إلى استئذان أحد . إنْ أحسنتَم توظيف مفاتيح القلوب ، فإنَّ شمسَ الحبِّ ظليلةٌ ومِهادَهُ ذليلة . لنْ يَحجُبَ نورَهُ غِربالُ الحياءِ أو الوقار . فليس على القلوب النبيلة سلطانٌ إنْ تَجَرَّأتْ . فالحبُّ حاجةٌ لا تَحَجُّج ، وضرورةٌ فطريةٌ غازيةٌ غيرَ مُحتلَّة ، قد تغفو ولكنها لا تموت. لا تُحْسَبُ فيها الخطوات ، وأسمى ما يُحسب فيها لَكَ أو عليكَ تصرفاتك . لا تتعجلوا الحبَّ فهو موجودٌ متى أردتم . ليس شرطا أنْ تَروا خطوَ أقدامِه . فهو يسعى إليكم في الخفاء وفي العلن . ولكن ، ليتَكم قبل أن تبحثَوا عن أنوثةٍ عَفْويّةٍ مفرطة ، أوعن رجولة شهمة أصيلة ، أن تبحثوا في أنفسِكَم عن الانسان الحقيقي أولا وثانيا وثالثا .
ما أن أتممتُ إجابتي ، انتصب من بين الحضور ثنائيٌّ آخر ، عرَّفَتْ عن نفسها أنها شقيقةُ بلقيس من اليمن السعيد ، وهو من نشامى الكرامةِ في غور الأردن ، قالَ بعد أن استئذنها : كيف نُبقي الشريكَ محظوظاً بنا يا سيدي ؟
أكملتُ واصابع كفي الأيمن تتسلل إلى شيب شعري تربِّتُ عليه : ليبقَ الشريكُ محظوظا بكِ وبهِ ، إمتلئوا ببعض . لتتشبَّعَ أرواحكم بأفراحِ بعضِكم وأحزانه ، أكثرَ من تضاريس أجسادكم .أتْقنوا كلَّ أبجدياتِ الحب ومهاراته ، وتفنَّنوا بتطبيقاتها . لوْ سمعتُم نداءَ الشريك ، إجعلوا مجيئَكم إليه طرفةَ عَيْنٍ . كونوا شيئا يخصه وقتما تشاءان . خذوا بعضكم معكم في كل الدروب ، وتَمْتِموا لبعضٍ بكلِّ الكيفيات وفي كلِّ الأماكن : أحمد الله أن رزقني بك . ولكن ، وأنتم تلامسون أحاسيس من تحبون ، إياكم وحماقاتِ الغياب . عليكم أن تجيدوا فنون الانتظار والصبر الجميل دائما . وإياكم أن تحيلوا قلوب بعضكم إلى فنادق . أكملت وانا أشير مبتسما الى الشباب ، تذكروا يا معشر الشباب ، أنَّ النساء على العموم ، لا يُحبِبْن مقابرَ الحب .
نظرَ الجالسُ على يساري إلى الجالسة بالقرب منه ، ثم وقف وإياها . قالت الفتاة أنا ربداوية يا سيدي ، وزميليَ حيفاوي . وسألتني بصوتٍ يشبهُ التأتأة : وهلْ يتغيرُ الحبُّ يا شيخنا ؟
قلتُ مُنتشيا بفرحهما ولكن بحسم : نعم . لا تعجبوا يا أصدقائي ، فجميلُ الحبِّ مُمتعٌ . وإذا ما إتسع لشريكيه ، يصيبُهم حتما بَلَلُهُ وَطَلَلُه . حتى وإن إرتطمَ بشيءٍ عابرٍ ، من توابل العيش المشترك ونكهاته . وأنا أتناولُ فنجالاً ورَقيا من قهوةٍ أُحْضِرَتْ لنا جميعا ، أكملت قائلا : طُرُقُ الحبِّ طويلةٌ ممتدةٌ يا شباب ، شاقةٌ ومتشعبة . مواصلةُ السيرِ فيها حتمية . وليتكم تعلمون منذ البدء ، أنَّ الأيَّام تُغيِّرُ كلَّ شيءٍ ، وتبُدِّلُ التضاريسَ والمشاعرَ ، لا معالمَ الأرضِ وحدَها .
بَهَتَ البعض وتعلق بصرهم بشفتيَّ ، مشدوهاً ومُتمتما بما لَمْ أسمع وبِما لَمْ أتبيَّن ، ولكني ظننتُ أني أسمع وسط التمتمة ، صوتا جمْعِيّا جليّا يسأل : ما العمل ساعتها ؟
قلتُ بلا تردد وبحزم : إجعلوا لمشاعركم أقداما تَسْعون بها إلى الشريك . واصلوا المسيرَ إليه بشوقٍ ، مَهما نبتَت على حوافِّ معارجكم مِنْ أشواكٍ , التوقف في المُنتصفِ أو دونه أو بعده ، موتٌ زؤام محتم . وليتكم لا تبالون بغضبكم وأنتم تتقدمون من الشريك . وإنْ تمنَّعَ ، إجعلوا من أصابعكم مايسترو ، يحركُ كلَّ شيءٍ يميلُ للتوقف أو للتباطؤ .
تهللتْ أساريرٌ. وإبتسمتْ أعينٌ واتسعتْ ، وضاقت أخرى على اتساعهما . وتراقصتْ رموشٌ طويلةٌ وحواجبٌ كثيفةٌ وأخرى مُشذبةٌ مُهذَّبة ، وهُمْ يحدِّقونَ في وجهي برجاءٍ وحنانٍ يافعٍ . وقفتُ لأستأذنَهم ، خِلتهم يقولون لي شيئا ، وهم منتصبين حولي كالرماح . فأكملت سعيدا بينهم فخورا بهم : تذكروا يا أصدقائي الشباب ، أنَّ الحبَّ مشاركةٌ نشطةٌ مستدامة ، تقتضي توازنا في الحقوق وفي الواجبات . منه تبدء كلُّ النسائمِ والرياح والزوابع . وما بين أبيضه وأسوده تقيم تلاوين قزح . نعم قد تغشاه بقعٌ مُحزنَةٌ موجعة ، جراء محاصرته بضرورات تصريف الأعمال وخدمة العلم والمَواسمية . عليكم أن تتذكروا دائما ، أنَّ حبَّ الحقوقِ أعمى ، وبالتأكيد أنَّ حبَّ الواجباتِ أعمى هو الآخر .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى