إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صُفر

إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر
الدكتور منصور أبوشريعة العبادي \ جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

لقد ساعدت الاكتشافات العلمية الحديثة في مجال فيزياء الشمس (heliophysics) على فهم المعنى الصحيح لكل من كلمتى القصر والجمالة الصفر التي وردت في وصف الشرر المنبعث من نار جهنم وذلك في قوله تعالى “إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33)” المرسلات. فلقد أوردت جميع تفاسير القرآن الكريم معنيين لكل من كلمتي القصر والجمالة المذكورة في هذه الآيات الكريمة وقام المفسرون بترجيح أحد المعنيين على الآخر وذلك تبعا لقناعاتهم. فالمعنى الأول للقصر هو البناء العالي والضخم وأما الثاني فهو أصول أو جذوع الشجر والنخيل التي يتم تقطيعها إلى قطع بطول عدة أذرع لتخزينها واستخدامها كوقود للنار. أما المعنى الأول للجمالة الصفر فهي الأبل سوداء اللون وأما الثاني فهي القلوس او الحبال الغليظة صفراء اللون والتي تستخدم في الغالب لربط السفن. إن من الظواهر التي قام علماء فيزياء الكون بدراستها حول الشمس هو الشرر أو الشواظ أو اللهب التي تقذف بها الشمس من سطحها بشكل متواصل وأطلقوا عليها اسم الشواظ أو اللهب الشمسي (solar prominences). ومما يدعو للدهشة والعجب أن علماء الفيزياء أطلقوا أسماء على الأنواع المختلفة لهذا الشرر تتطابق مع الاسماء التي أطلقها القرآن الكريم على الشرر المنبعث من نار جهنم. فقد أطلقوا على أحد أنواع الشرر الشمسي اسم الفتائل (filaments) وكذلك الحبال (ropes) وشبه بعضهم نوع اخر من أنواع الشرر الشمسي بجذوع الشجر (tree trunks) كما سنبين ذلك لاحقا. وبهذا فقد رجحت الاكتشافات العلمية كفت القائلين بأن القصر هي جذوع الاشجار وليس البناء العالي وأن الجمالة الصفر هي الحبال الصفراء الغليظة وليس الابل السوداء. أما النتيجة الأهم لهذه الاكتشافات العلمية فهي إثبات إحاطة علم الله عز وجل بأسرار كونه فهذه الأوصاف لنار جهنم لا توجد في أي من نيران الأرض ولكن يوجد ما يشبهها في نيران الشمس والنجوم والتي لم يتمكن البشر من كشفها إلا في القرن الماضي وصدق الله العظيم القائل “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)” الطلاق.

تعتبر الشمس نجم متوسط الحجم بالنسبة لنجوم الكون حيث يبلغ نصف قطرها ما يقرب من سبعمائة ألف كيلومتر أي أن حجمها يزيد بمليون وثلاثمائة ألف مرة عن حجم الأرض بينما تزيد كتلتها عن كتلة الأرض بثلث مليون مرة تقريبا. وتتكون الشمس من الهيدروجين بنسبة 74 بالمائة والهيليوم بنسبة 25 بالمائة ومن الأوكسجين والكربون والنيون وبعض العناصر الأخرى بنسبة واحد بالمائة. وتحرق الشمس باستخدام الاندماج النووي (nuclear fusion) ستمائة مليون طن من عنصر الهيدروجين في الثانية الواحدة ليتحول إلى 596 مليون طن من عنصر الهيليوم. ويتم تحويل فرق الكتلة بين العنصرين البالغ أربعة ملايين طن إلى طاقة تقدر بما يقرب من أربعمائة بليون بليون ميجاوات (3.846×1026 W) وذلك تبعا لمعادلة أينشتاين المشهورة وهي أن كمية الطاقة الناتجة من تحويل الكتلة إلى طاقة (mass–energy conversion) تساوي مقدار الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء. تتكون الشمس من عدة طبقات أولها طبقة النواة (core) والتي يبلغ نصف قطرها 150 ألف كيلومتر ودرجة حرارة مركزها 15 مليون درجة كلفن وفيها تتم عملية الاندماج النووي وإنتاج الطاقة. ثم تليها الطبقة الإشعاعية (radiative zone) التي يبلغ سمكها 300 ألف كيلومتر ودرجة حرارتها عند حافتها الخارجية مليوني درجة ومن خلالها يتم نقل الطاقة المتولدة في النواة إلى الخارج من خلال الإشعاع. ومن ثم طبقة الحمل (convection zone) والتي يبلغ سمكها 200 ألف كيلومتر ويتم فيها نقل الطاقة إلى سطح الشمس بالحمل. ومن ثم الطبقة الأخيرة للشمس وهي الكرة الضوئية (photosphere) والتي يبلغ سمكها 500 كيلومتر ودرجة حرارة سطحها وهي سطح الشمس 5800 درجة كلفن وفيها يتم إشعاع طاقة الشمس على شكل موجات ضوئية مرئية وغير مرئية إلى المحيط الخارجي. ويتكون الغلاف الجوي للشمس من طبقتين رئيسيتين وهما طبقة الكرة الملونة (chromosphere) بسمك ألفي كيلومتر وتصل درجة حرارتها عند حافتها العليا عشرين ألف درجة كلفن تليها طبقة الهالة (corona) والتي قد تمتد في الفضاء إلى عدة ملايين من الكيلومترات وقد تصل درجة حرارتها إلى مليوني درجة كلفن أي أعلى بكثير من درجة حرارة سطح الشمس.

بسبب الحرارة العالية التي تتعرض لها مادة الشمس والتي لا تقل عن خمسة الآف درجة كلفن عند سطحها فإنها جميع عناصرها موجودة في الحالة الرابعة من حالات المادة وهي حالة البلازما (plasma). والبلازما هي الحالة التي تنفصل فيها الإلكترونات عن الذرات تاركة ذرات موجبة الشحنة تسمى الأيونات (ions) وعندها تصبح المادة خليط من الإلكترونات الحرة سالبة الشحنة والأيونات موجبة الشحنة. ويتم تحويل المادة من الحالة الغازية إلى حالة البلازما من خلال رفع درجة حرارتها أو تعريضها لمجالات كهرومغناطيسية قوية وتزداد نسبة البلازما في غاز المادة مع رفع درجة الحرارة أو شدة المجال الكهرومغناطيسي. يتم نقل كمية الطاقة الهائلة التي تتولد في قلب الشمس من خلال الإشعاع في الطبقة الإشعاعية ومن ثم من خلال تيارات حمل ضخمة من البلازما في طبقة الحمل تتحرك بسرعات عالية جدا نحو سطح الشمس. إن تيارات البلازما المشحونة كهربائيا تولد حولها مجالات مغناطيسية ضخمة وتقوم هذه المجالات بدورها في حصر البلازما في داخلها وتسريع حركتها لتخرج من سطح الشمس على شكل فورانات تخرج من انحاء مختلفة من سطح الشمس بسطوع شديد أسماها العلماء بالتوهج أو الفوران الشمسي (solar flares). ويتخلل مناطق التوهج أو الفوران الشمسي مناطق هادئة تسمى البقع الشمسية (sun spots) تبدو سوداء اللون بالمقارنة بالسطح الأصفر المحيط بها وذلك لأن درجة حرارتها أقل منه. ولقد أشار القرآن الكريم لظاهرة التوهج أو الفوران التي تحدث في نار جهنم والشبيهة لما يحدث في الشمس وبقية النجوم في قوله تعالى “إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)” الملك.

وقد يكون التوهج الشمسي من الشدة بحيث يقذف بكميات كبيرة من البلازما والإشعاعات المختلفة إلى الغلاف الجوي للشمس سميت بالشواظ الشمسية أو اللهب الشمسي (solar prominence). تتبع الشواظ مسارات المجالات المغناطيسية التي قامت بتشكيلها وهي في الغالب على شكل عرى (loop shaped) تبدأ من سطح الشمس ثم تعود إليه. وعند مراقبة الشواظ بمعدات خاصة ويكون سطح الشمس هو الخلفية فإنها تظهر على شكل حبال أو فتائل سوداء تمتد على السطح ولذا أطلق عليها العلماء الفتائل الشمسية (solar filaments). وتتراوح أطوال هذه الفتائل بين 30 ألف وما يزيد عن مائة ألف كيلومتر (the average filament length varies from about 3 × 104 to about 1.1 × 105 km) أما عرضها فيتراوح بين ألف وعشرة الاف كيلومتر. وقد تصل سرعة البلازما المقذوفة في الشواظ الشمسية إلى ألف كيلومتر في الثانية أو ثلاثة ملايين وستمائة ألف كيلومتر في الساعة لتقطع هذه الحبال الطويلة في دقائق معدودة. إن الفتائل الشمسية من أغرب الظواهر الفيزيائية حيث يتكون حبل ضخم من الفيض المغناطيسي (flux rope) طرفاه مغموسان في سطح الشمس ويمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات في الغلاف الشمسي على شكل قوس. ومن ثم يقوم هذا الحبل بشفط كميات هائلة من البلازما في داخله تقدر طاقتها الحركية ببليون بليون ميجا جول وتتحرك بسرعة قد تصل ألف كيلومتر في الثانية ويصبها في مكان آخر من سطح الشمس.

ومن الواضح أن العلماء يستخدمون في أبحاثهم كلمة الحبال (ropes) في وصف هذه الظاهرة والتي أسماها القرآن الكريم الجمالة الصفر أي الحبال الصفر فقد جاء في أحد الأبحاث ما نصه (إن نموذج الثوران يؤكد أن حبل الفيض المشكل يثور بمجرد أنه يتجاوز عتبة اللاستقرار) (The eruption models agree that a formed flux rope erupts once it exceeds the instability threshold). أما عند مراقبتها عند حافة الشمس ويكون الفضاء هو الخلفية فإنها تظهر على شكل عرى (loops) أو أعمدة مقوسة (arching columns) أو جذوع الشجر (tree trunks) أو الأشجار والشجيرات (trees and shrubs) ويمكن مشاهدتها بالتليسكوبات عند الكسوف الكلي للشمس. وقد وصف كثير من الباحثين بعض أنواع الشواظ او اللهب الشمسي بجذوع الأشجار ففي أحد هذه الأبحاث قال أحدهم (الشواظ العمودية التي تشبه جذوع الأشجار تم تصنيفها ANb) (Columnar prominences that resemble tree trunks are classified as ANb). وتم وصف أنواع أخرى بالأشجار والشجيرات (الشواظ مروحية الشكل الشبيهة بالأشجار والشجيرات تم تصنيفها ANc) (Fan-shaped prominences resembling shrubs or trees are classified as ANc).

وقد يمتد الشواظ الشمسي الفتائلي ليصل طبقة هالة الشمس وقد ينقطع الفتيل بسبب درجة الحرارة العالية للهالة التي قد تصل إلى عدة ملايين درجة وفي حال انقطاع الفتيل فإن البلازما التي في داخله تندفع بسرعات عالية إلى الفضاء الخارجي منتجة ما يسمى بالمقذوفات الكتلية الهالية (coronal mass ejections). وتتكون المادة المقذوفة في الغالب من بلازما الهيدروجين وهي البروتونات والإلكترونات وكميات كبيرة من الإشعاعات التي تغطي كامل الطيف الكهرومغناطيسي وخاصة الأشعة السينية وأشعة جاما. ويبلغ معدل كتلة المقذوفة الواحدة بليون طن وتندفع بسرعات معدلها 500 كيلومتر في الثانية وقد تصل إلى 3000 كيلومتر في الثانية وتصل إلى الأرض في مدة ثلاثة أيام للسرعات المعتدلة. وعن وصول هذه المقذوفات إلى الأرض فإنها تصطدم بالغلاف المغناطيسي الأرضي منتجة موجة صدم عنيفة (shock wave). ومن لطف الله عز وجل بسكان الأرض أن الكتلة الضخمة من مادة المقذوفة المكونة من البروتونات والالكترونات المشحونة تتفاعل مع المجال المغناطيسي الأرضي فيغير مسارها باتجاه القطبين لتكمل مسارها إلى الفضاء الخارجي دون أن تصطدم بالأرض إلا قليل منها. إن هذا الجزء القليل من البروتونات والالكترونات الذي يصل للمناطق القطبية يقوم بتأيين الهواء فيها فيقوم بإشعاع طيف واسع من الضوء المرئي يطلق عليها الأضواء القطبية الأورورا (polar lights or aurorae ) والتي يمكن مشاهدتها بوضوح من المناطق المجاورة للقطبين. أما الإشعاعات الكهرومغناطيسية عديمة الشحنة فإنها تنفذ إلى الأرض لتصل إلى الغلاف الجوي الذي يقوم بامتصاص معظم الإشعاعات عالية الطاقة التي تقع فوق الأشعة البنفسجية مكونة ما يسمى بطبقة الأوزون.

إن موجة الصدم العنيفة تنتج ما يسمى بالعاصفة المغناطيسية الأرضية ( geomagnetic storm) أو العاصفة الشمسية (solar storm) التي تعمل على تشويه المجال المغناطيسي الأرضي فتضغط (compressing) الجانب النهاري منه وتمد (expanding) الجانب الليلي. وعندما يعيد المجال المغناطيسي إلى وضعه الطبيعي فإن يطلق كمية هائلة من الطاقة تبلغ في المتوسط ألف بليون جول على شكل موجات كهرومغناطيسية. إن العواصف المغناطيسية القوية قد تتسبب في تعطل شبكات نقل الطاقة الكهربائي وشبكات الاتصالات والأجهزة الالكترونية والأقمار الصناعية وفي سريان تيارات كهربائية عالية في أنابيب البترول والمياه المعدنية. تحصل المقذوفات الكتلية الشمسية بمعدل ثلاثة مرات في اليوم الواحد في ذروة دورة البقع الشمسية البالغة أحد عشر عاما وبمعدل مرة كل خمسة أيام عند الحضيض وتقذفها الشمس إلى الفضاء في جميع الاتجاهات. وعلى هذا فإن معدل ما يصيب الأرض من هذه المقذوفات سيكون متدنيا ولذلك لا تتكرر العواصف الشمسية القوية على الأرض إلا مرة أو مرتين خلال الدورة الشمسية الواحدة. ومن الجدير بالذكر أن الأرض تتعرض بشكل دائم لسيل ضخم من الإشعاعات الشمسية والجسيمات المشحونة تسمى الرياح الشمسية (solar winds) ويقوم الغلاف المغناطيسي والغلاف الجوي للارض بصدها وامتصاصها لحماية سكان الأرض من أضرارها.

المراجع
1- Atkinson, Nancy (6 August 2012). “Huge Solar Filament Stretches Across the Sun”. Universe Today. Retrieved 11 August 2012.
2- Amari, T., Luciani, J.F., Mikić, Z. and Linker, J., 2000, “A Twisted Flux Rope Model for Coronal Mass Ejections and Two-Ribbon Flares”, Astrophys. J. Lett., 529, L49–L52.
3- Aulanier, G., Török, T., Démoulin, P. and DeLuca, E.E., 2010, “Formation of Torus-Unstable Flux Ropes and Electric Currents in Erupting Sigmoids”, Astrophys. J., 708, 314–333.
4- Jones, F. S., 1958, “Classification of Solar Prominences” Journal of the Royal Astronomical Society of Canada, Vol. 52, p.149.



اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى