إستراتيجيةُ التَّيس ! / م. عبدالكريم أبو زنيمه

إستراتيجيةُ التَّيس !
ما إن وطأت قدما وزيرُ الخارجيةِ الأمريكي الجديد (بومبيو) أرضَ المملكة العربية السعودية حتى استنفرت كُل وسائلِ إعلامهم مُرحبةً ومُهللة، وأثناء المؤتمرِ الصحافي بينه وبين وزير الخارجية السعودي قال ألجبير بعد أن أفاض بالترحيب به بأنهم سيناقشون الاستراتيجيات المُشتركة بين البلدين، ومِن ضمنها الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية وألاجتماعية وألثقافية…ألخ، كما أعرَبَ عن شكره وتقديره للوزير ألامريكي عن اختيارَه للسعودية لتكونَ محطتهُ الأُولى في أول زيارة خارجية له لما لها من دلالات ورمزية ودور سعودي محوري على مستوى ألمنطقة والعالم ! استوقفتني عِباراتهُ وحلقتُ بخيالي عالياً وقلتُ سراً في نفسي…لمّ ألاستغراب ؟ منَ الطبيعي أن يأتي الينا أولاً ليناقش الاستراتيجيات عامة والعسكرية خاصة! عليه أن يأتي الينا مهرولاً بعدَ تِلكَ القرارات وألعسكرية خاصة ذاتِ التَّأثير المُباشر على الصعيدين ألاقليمي والعالمي التي اتخذتها الدول العربية المتحدة في قمتها الاخيرة في الظهران، فالقاذفاتُ الاستراتيجية للدولِ العربيةِ المُتحدة تجوبُ على مدارِ الساعةِ سماءَ الحدودِ العربية من نواكشوط غرباً إلى الخليجِ العربي شرقاً، ومنَ البَحرِ الأبيضِ المُتوسطِ شمالاً إلى خطِ الاستواء جنوباً، عدا عن حاملاتِ الطائرات والمُدمرات والغواصات ألنووية العربية التي تُبحرُ عبرَ المحيطات والمُتمركزةِ على الممراتِ المائية الاستراتيجية، إضافةً إلى تهديد الدول العربية ألمتحدة بالخروج من اتفاقيةِ الحد من التجارب الذرية الموقعة مع حلفِ الناتو وكذلكَ التَّهديد الذي أطلَقَهُ وزيرُ الدِّفاعِ العَربي (المارشال حرب بن العربان) بإغلاقِ كُل الممرات المائية بوجهِ المِلاحةِ الغربية اذا لم يسحب حلف الناتو منظومات الدفاع الصاروخي الموجودة في جزيرة صقلية والجزر اليونانية !!!
أفقتُ من نشوةِ خيالي عندما رأيت على شاشة التلفاز تيساً يقفزُ من فوق حبال حلبة أُعدت خصيصاً له ليُباع في مزادٍ علني كأجملِ تَيسٍ في إحدى الدول العربية، خُيّلَ لي بأنَّ التَّيس سيكسرُ الشاشة وينطحني مُحطماً أحلامي الطوباوية ألهدّامة فوقَ رأسي ! ذاكَ التَّيس قفزَ كمصارعٍ مُحترف من فوقِ الحبال على طاولةِ الحُكام ونطحَ أحدهم وكأنَّهُ احتجَ على الثَّمنِ المدفوعِ بهِ يبخسهُ قيمتهُ الحقيقية، قفزَ مُحتجاً ولسانُ حالهِ يقول : من أنتُم حتى تُقيموني؟ أنتُم تأكلون وتشربون وأنا كذلك ! أنتم تنامون وتتناسلون..وأنا كذلك، أنتم تكذبون وتخونون وتتآمرون وتتذابحون وتتقاتلون وتُهانون وتخنعون… أما أنا فلا !
أيةُ إستراتيجياتٍ تِلكَ التي سيُناقِشُها وزيرُ الخارجيةِ الأمريكي معكم؟ أي نَعم أنَّكُم تملكونَ المالَ، لكنَّكم لا تملكونَ حقَ التَّصرُف بهِ، هذا المال القذر الذي سُقتُم بهِ مئات الآلاف من الشبابِ العرب لحتفِهِم في أفغانستان والبوسنة وأفريقيا وغداً في مينمار، بعدَ أن غسلتُم أدمغتهم وحولتموهم إلى إرهابيينَ وجهلة مُتطرفين بفتاوى تضليلية جهادية ! مئاتُ الآلاف من الشبابِ العربي المُضللين ذُبحوا في حروبٍ عربية عربية دمرت وقتلت وشردت، لنتخيل للحظةٍ لو أنَّ هذهِ المليارات أُنفِقَت على تعليمهم وبناء الجامعات العلمية وألتقنية وعلى التَّنمية، فكَم من العُلماء والمُهندسين والأطباء والمُفكرين ورواد العلوم العلميةِ والاجتماعية كانَ سيزخر بهم الوطن العربي ! ستنضب أموالكم..سيُفرغ ترامب خزائنكم ثم ستُساقون للمحاكم الدولية كمجرمي حرب ورعاة للارهاب..وسيُرهن نفطكم لعقود قادمة .
لكن أكثرَ ما أثارَ حفيظتي وحرَّكَ داخلي مشاعر السخط والاشمئزاز هو ذاك السؤال الذي وجهته إحدى المُذيعات في قناةُ العربية لأحدِ المُحللين الاستراتيجين، وهو : “ما هي دلالة ورمزية الزيارة الأُولى لوزيرِ الخارجية الامريكي للسعودية ؟”، وهُنا أسهبَ وأفاضَ ذاك الاستراتيجي في تحليلهِ حدّ الغثيان ! أيةُ رمزيةٍ وأيةُ دلالاتٍ تلك ! لقد أتى لإملاءِ الأوامر ولسحبِ المَزيدِ من أموالِ البقرةِ الحلوب، وللمُصادفةِ الساخرة، كانَ ترامب يصرحُ في الجانبِ الآخر من العالم بأنَّ : “عليهم دفع المليارات لنا..نحنُ نحميهم وبدوننا سيسقطون”، لو كانَ الإستراتيجي صادقاً لأجاب : إنَّها إستراتيجيةُ ورمزيةُ التَّيس…ونقطة يا إستراتيجي !!!
aboznemah@yahoo.com

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق