أسباب ظاهرة البلطجة وتكلفتها الاقتصادية والاجتماعية

احصائيات كورونا
الاصابات
198٬021
الوفيات
2٬442
الحالات الحرجة
472
عدد المتعافين
131٬181
أخر تحديث بتاريخ 2020/11/26 الساعة 5:09 م

أسباب ظاهرة البلطجة وتكلفتها الاقتصادية والاجتماعية
أ. د أحمد العجلوني

تبرز ظاهرة البلطجة كمحصلة لتراكمات ذات أبعاد متشعبة ومتنوعة تشمل -فيما تشمل- الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. وهي مظهر بشع من مظاهر عدم كفاءة إدارة الدولة الأخرى (مثل تفشي الفساد الإداري والمالي واختلال موازين العدالة الاجتماعية وفقدان الحرية الحقيقية) وترتبط بها ارتباطاً عضوياً. والبلطجة وملازماتها من أمراض اجتماعية، والتي تمثل مسامير تدق في نعش أي مجتمع وتضيع هيبة الدولة ليست سوى نتاج للسياسات الاقتصادية الفاشلة والفساد ونهب المال العام الذي انصب في حسابات اللصوص بدل أن يعلّي بنيان الوطن ويحقق الحياة الكريمة والأمان لأبنائه. ومما زاد من خطورة هذه المشكلة طريقة التعاطي التي كانت تتم بأسلوب الفزعة؛ ثم ما تلبث أن تعود الأمور أسوأ مما كانت؛ لأن الأسباب التي أدت لتلك الظاهرة بقيت قائمة وتزدهر!
لا يشك عاقل بأن متنفذين (الذين يتمتعون بغطاء وحصانة رسميين أو منزلة اجتماعية أو قوة اقتصادية) يحمون البلطجية والزعران ويستفيدون من وجودهم لحمايتهم أو التنكيل بخصومهم ومنافسيهم. كما شاهدنا كيف أنهم مثلوا أحد الحلول الأمنية للتعامل مع المطالبات الشعبية السلمية للتغيير والاحتجاج من خلال قيامهم بأعمال من شأنها إحباط الحركات الاحتجاجية أو تشويهها أو إلحاق الأذى البدني بالمشاركين فيها، كما شاهدنا في المظاهرات في مصر وغيرها من البلدان. بل إن دورهم قد تجاوز ذلك ليتطور إلى ميليشيات إجرامية تقوم بالأعمال الأكثر قذارة كما في الحالة السورية.
ومما يؤسف له في حالنا بالأردن أنه في ذات الوقت الذي تتم فيه محاولات محمومة لتجفيف منابع القيم والشرف واحترام القانون من مراكز إسلامية ومنابر إصلاحية كثيرة، ويتم محاربة المصلحين في أرزاقهم ومضايقتهم في أنشطتهم التي تصب في خدمة المجتمع؛ فإننا نجد الأرض تنشق عن ينابيع الانحلال والإفساد في كل شارع وحي وقرية ومدينة، وتتكاثر الظواهر السلبية من مخدرات وبلطجة وسرقات أمام أعين المجتمع والمسؤولين بشكل خطير. فهل يكون أمن بدون إيمان؟! وكيف نزرع الفساد وكبت الحريات والظلم الاجتماعي ومن ثم نتوقع أن نحصد للمجتمع سوى الجريمة والانحلال وفقدان الأمن؟!
إن عدم وجود دراسات علمية في الأردن عن اقتصاديات عالم الجريمة وحجم الأموال التي يتم تداولها من خلال المخدرات والبلطجة وتهريب وغيره يؤكد الحاجة إلى بذل الجهود العلمية لتقدير حجمها وتأثيرها تمهيداً للتعامل معها بشكل شامل وفعّال.
من التكاليف المادية لظاهرة البلطجة ما يكون مباشراً مثل الخسائر التي تقع على الممتلكات من تدمير أو تعطيل أو خسارة مشاريع بأكملها. ولا نغفل الإصابات البشرية وما يتبعها تكاليف الرعاية الطبية وتكاليف منظومة إنفاذ القانون مثل إجراءات التقاضي والسجون. كما أن ظاهرة انعدام الأمن ممثلة بظاهرة البلطجة تحبط الجهود الرامية إلى تسويق الأردن كبلد آمن للمواطن والضيف وللمستثمر. وهناك تكلفة مادية لا يفطن لها الكثيرون يدفعها كل أردني تتمثل بانعكاس انخفاض مستوى الأمن والأمان على قدرة الأردن على تدبير التمويل من مصادره الدولية، حيث أن ارتفاع مخاطرة الأردن بسبب عدم الاستقرار الأمني تزيد من معدلات الفائدة التي تطلبها جهات التمويل (مع التحفّظ على سياسة الاقتراض وعلى مبدأ سعر الفائدة من الأساس)، وهذا يمثل عبئاً إضافيا على جيب كل مواطن أردني.
وإن كنّا ننتقد طريقة تعامل الدولة بسلطاتها الثلاث مع ظاهرة البلطجة طوال عشرات السنين وتركها للتفاقم إلى حدود خطيرة؛ فإننا نشدّ الآن على يد كل مخلص من حكومة أو سلطة تشريعية أو قضائية وغيرهم لاجتثاث هذه الظاهرة وإراحة المجتمع منها. ونترك تقييم هذه الجهود حتى نرى نتائجها الإيجابية قريباً إن شاء الله.
حفظ الله الأردن؛ حرّاً آمناً مزدهراً

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى