أردنيون يتساءلون:”أين رجال الدولة؟”.. العبادي يلوم “خبرات جوجل” والمجالي يدعو إلى مصارحة الملك

سواليف
كتبت: هديل الروابدة

ينتهز رئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق، خالد الكركي، حفل إشهار كتاب “القرار” للرئيس الأسبق مضر بدران، الأسبوع الماضي، ليمرّر انتقادات لاذعة لطريقة إدارة الشأن العام، والتعاطي مع الأزمات التي تعصف بالبلاد.

حديث الكركي جاء بالتزامن مع سؤال طرحه الكاتب والوزير السابق محمد أبو رمان، في مقال سابق له، تساءل فيه عن صمت “رجال الدولة في الأردن”، وغيابهم عن مناقشة اللحظة الانتقالية الراهنة، وتحريك المياه الراكدة.

الكركي، وخلال نصف ساعة -قليلة على إحصاء الهم الأردني- استعرض ما يقلق الناس ويؤرقهم، وقفز بين ملفات حساسة عدة، استهلها بدعوة مؤسسات الدولة لاستحضار “العقل”، لتعبيد طريق الخروج من مآزق سياسية واقتصادية عميقة، ومذكراً بثنائية وطنية قوامها “المعرفة والقوة: المعلم والعسكري”، ولم يفته بالطبع أن يستذكر القضية الفلسطينية، وغيرها من القضايا تلميحاً وتصريحاً.

المفارقة هنا هي حضور نخبة من رجالات الدولة ورموزها، مثل: عبد الرؤوف الروابدة وأحمد عبيدات وعدنان بدران وعدنان أبو عودة وخالد الكركي، لإشهار “قرار” مضر بدران، فيما يجري تغييبهم هم وغيرهم من الرموز عن المشاركة والتباحث، وعن عملية “صناعة القرار” في المرحلة الأخطر والأهم في تاريخ الأردن ومستقبله.

أردنيون يتساءلون: “أين رجال الدولة؟”

هذه المفارقة حملها إلى الواجهة مواطنون، أغلبهم من الشباب، ممن يلاحقون الندوات والنقاشات التي تجمع “مخازن” الدولة ورجالاتها القدامى، ويعكفون على انتقاد أداء الحكومة وتقريعها في الفضاء الإلكتروني.

قبل أيام، مثلاً، أدرجت في حسابي الشخصي على “فيسبوك” نصاً من كتاب قيد النشر لرئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة، فانهالت علي أسئلة الأصدقاء عن موعد إصداره وأماكن توفره.

بهذا المعنى يمكن قراءة حجم نهم الشارع لمطالعة آراء النخب من أصحاب الولاية العامة الذين ضمنوا للبلاد عبورا في محطات حساسة مختلفة، وتسيدوا المشهد في حقبة يأسف الآباء على ذهابها وانقضائها.

احترام الناس، وحجم ثقتهم بهذه الطبقة من المسؤولين ممن صعدوا إلى مواقعهم من رحم مؤسساتهم، عبر تسلسل إداري واضح، وليس بالـ”البراشوتات”، يمكن للسلطة اليوم أن تستثمره في ترميم حالة الثقة المتردية لدى الشارع.

التاريخ لا ينسى، والأردنيون يعرفون ويميزون جيداً بين رئيس حكومة يملك ولاية عامة وصلاحيات واسعة لاتخاذ قرار، ورئيس حكومة بحجم موظف يوقّع ويبصم، يهدد ويتوعد، ويعتذر بالنيابة عن موظفين صغار أساؤوا من هنا أو هناك. ويدركون أيضاً الفرق بين من تركوا كراسيهم ومناصبهم “طوعا” رفضا لقرار أو ثمناً لموقف، ومن أطاح بهم الشارع وأصوات الناس المنهكة قهراً وفقراً.

ولا يخفى على أحد أن الفجوة القديمة بين طبقتين سياسيتين في البلاد وربما أكثر، غدت حفرة انهدامية، بات الأردنيون يتحسسونها ويشعرون بتداعياتها كندبة في جسد الوطن، بفعل عوامل الإقصاء والتهميش بين القوى على حساب المصلحة العليا.

العبادي يلوم “خبرات غوغل”

هذا الإقصاء واجه انتقادات لاذعة من نائب رئيس الوزراء السابق الدكتور ممدوح العبادي، الذي يقر بوجود طبقة جديدة لا تؤمن بأهمية الشراكة مع طبقة سياسية سابقة، بدعوى الحداثة والتجديد، فغيرت الوجوه والأفكار على حساب خبرة وحكمة تناسلت من رحم الدولة، لتستعين بوصفات خبرة جديدة مستلهمة من “غوغل”.

ولا يخفي العبادي استغرابه من خلو مفاصل الدولة، كغرفة التشريع العليا “مجلس الأعيان”، ومجالس أمناء الجامعات، ولجان الدولة بجميع مواقعها، من رموز شاركوا في تأسيس وبناء مؤسسات الدولة، التي خدمت ولا تزال تخدم الأجيال المتعاقبة، لأغراض استشارية وتشاورية وليست تنفيذية، في الحد الأدنى.

ويلوم السياسي المخضرم تجاهل مؤسسات الدولة ومفاصل القرار لبعض المحاولات الفردية من أهل الخبرة، للمشاركة في إبداء آرائهم تجاه القضايا الراهنة المطروحة على شكل مقالات أو مداخلات خجولة في الندوات المختلفة.

العبادي نفسه، قدم اقتراحا حول استغلال قانون الدفاع لإجراء انتخابات نيابية مبكرة، قبل دخول الموجة الثانية لجائحة كورونا، هذا الاقتراح مضى إلى حال سبيله ولم ينتبه إليه أحد.

الواضح، وبحسب ملاحظات رجال دولة من فئة رؤساء وزراء ووزراء سابقين، أن القوم ينأون بأنفسهم عن تقديم المشورة على طريقة “فرض النفس” على الدولة وأجهزتها لاعتبارات مختلفة، إذ يؤكد العبادي أن “على الدولة (الحقيقية) أن تستدعي هذه الخبرات ضمن محاولة جادة لاستمزاج آرائهم، وخلط الطبقات السياسية جميعها لتذوب في بوتقة الوطن ولأجله”.

المجالي يدعو إلى مصارحة الملك ومكاشفته

في الأثناء يرمي الوزير السابق والسياسي المعتق، أمجد هزاع المجالي، كرة المبادرة في حضن رجال الدولة أنفسهم، متسائلا: “ما المانع من مكاشفة رأس الدولة بلغة واضحة وصريحة ضمن نقاش جاد؟”.

ويرى المجالي أن هذا النوع من المكاشفات والحديث الصريح مدفوعان بمشاعر قوامها الحب والحرص على الأردن ونظامه الهاشمي. وهنا يحاول المجالي تحميل هذه الطبقة مسؤولية الغياب، فبرأيه أنها “مسؤولة بالدرجة نفسها التي ساهموا بها في صناعة القرار سابقا”.

ويقر الرجل بأن تسرب من وصفهم بـ”فقراء الخبرة والكفاءة” في بعض مواقع الدولة الحساسة، وتغليب الأجندات والمصالح الخاصة على ممارساتهم في مواقعهم، أنتجا مظاهر طارئة على الدولة على جميع الأصعدة والملفات.

لم يجامل المجالي في توصيف الحالة الأردنية، فالبلاد تشهد حالة غير مسبوقة من التوتر على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. أزمة مركبة أنتجتها جائحة كورونا وتدابيرها القاسية.

إغلاق المطار وتعليق السياحة، وتباين حركة التصدير بين الإغلاق والفتح الحذر، عبر المعابر، وتقليص فرص العمل للأردنيين في الداخل والخارج. هذا كله يعني كارثة اقتصادية بدأنا فعلا استشعارها مع توارد معلومات تفيد بوصول العجز المالي إلى 1.122 مليار خلال النصف الأول من العام الجاري.

حكومة الدكتور عمر الرزاز، التي نجحت بداية في ترميم حبال الثقة الشعبية بها، وإعادة الشعور الجمعي بروح الأسرة الأردنية الواحدة، عادت “بإدارتها الحصيفة” وقطعت كل الحبال خلال أزمتها الأخيرة مع المعلمين، بالاتكاء على الهراوة وتخويف الناس، وتكميم الأفواه وتقييد الإعلام.

وسط كل ما سبق، تواصل الحكومة بث تصريحات متضاربة حول قضايا محلية، كالمطار وآلية فتح المدارس وإعادة المغتربين، ما ينبئ -ربما- بوجود خلافات في الطاقم الوزاري، وبين الحكومة والكيانات الأخرى، كخلية الأزمات ولجنة الأوبئة خلف الكواليس.

ومما يؤسف له أن التخبط قائم ومتمدد رغم المؤتمرات المستمرة للوزراء، والإطلالة الأسبوعية “الصبوحة” للرئيس. يقدر الناس هذه المحاولات الحكومية الجادة لإحياء كل قنوات التواصل، حتى لو لم تكن هناك إجابات تشفي غليلهم في النهاية.

في سياق منفصل، مر زهاء عام ونصف على لقاء جمع الملك برؤساء الوزراء السابقين، أكد خلاله أن “الجميع شركاء في تحقيق التقدم من أجل مصلحة الوطن، وأمامهم مسؤولية في التعامل مع الأوضاع الحالية والتحديات التي تواجه المملكة”.

إن كانت هذه القاعدة الملكية “واجبا” آنذاك، فقد باتت اليوم “فرض عين”، على كل من يستظل بسماء الوطن الحبيب.. والأمل يحدونا دائما بأن نكون جميعا بحجم التحدي، ولا خلاص بغير ذلك، ارحمونا…!

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى